يستقي كتاب «الأرمن في دائرة المعارف الإسلامية»، لمؤلفه الدكتور عمر الدقاق، مادته الأولية من المؤرخين القدامى، الأرمن والعرب، كما يقول المؤلف، إذ وردت شهادات ونصوص للمؤرخين«سيبيوس وموسيس الخوريني» وسواهما من المؤرخين الأرمن، فالأرمن شعب قديم له لغته الخاصة، وعاصر الأرمن الأوائل شعوب السومريين والأكاديين والفراعنة، ثم الأشوريين والبابليين والآراميين. وكذلك الفرس واليونان واللاتين..
وارتبط اسم آرارات، عبر العصور باسم النبي نوح وحادثة الطوفان. ويبين الكتاب ان بلاد أرمينيا كانت كعظم المفصل، وذلك لتوسطها بين دولتين قديمتين، وهما: الدولة الفارسية الساسانية، الدولة الرومانية. وتعرضت بلاد أرمينيا لأطماع هاتين الدولتين والدولة الروسية والعثمانية. كما تعرّضت لغزوات المغول والتتار، ولحقها من جراء ذلك الكوارث والأهوال، ولا سيما حين غزتها قبائل تيمورلنك وعاثت فساداً في مدنها وقراها.
تعود بواكير العلاقة بين العرب والأرمن إلى الفتح العربي، وذلك في أواخر القرن الأول الهجري/السابع الميلادي، وفتح العرب بلاد أرمينيا صلحاً، واتسمت العلاقة بينهما بأنها علاقة حسنة، تقوم على المصالح المتبادلة والتفاهم المشترك والتعامل التجاري الناشط، والعرب القدامى لم يجبروا سكان أرمينيا على اعتناق الإسلام، كما لم يعمدوا إلى نشر عقيدتهم بقوة السلاح، وكان شعارهم «لا إكراه في الدين».
وكانت الحصيلة بقاء الأرمن على عقيدتهم المسيحية، فضلاً عن تمتعهم بقوميتهم وتراثهم ولغتهم في ظل الولاء للعرب. والتقسيم الإداري في العهد الإسلامي كان يقوم على أن يتولى حكم البلاد عامل يسمّى لدى الأرمن «أشخان » يقيمه الخليفة نفسه، ومن واجباته الإشراف على أداء الخراج وجباية الضرائب. وتلاحظ دائرة المعارف أن الحكام والولاة كانوا في الغالب يختارون من أهلها.
وكان القرن الأوّل من حكم العرب عصر نهضة قومية وأدبية لهذه البلاد، والتقسيم الإداري لأرمينيا في العهد العربي، هي «أذربيجان وبلاد الجزيرة »، ويحكم الكل عامل واحد «الوالي» يقيمه الخليفة نفسه، وكان مقرّه بلدة «دبيل» بالقرب من نهر «الرس»، وكان على هؤلاء الحكام الوطنيين، في حالة الحرب، أن يمّدوا العرب بعدد معين من الجند، ومن المؤكد أنهم لم يكونوا يتقاضون مالاً نظير ذلك.
وفي أوائل القرن التاسع الميلادي جرى استبدال الخراج والجزية وضريبة الأرض بنظام «المقاطعة» الذي كان يلزم أمراء الأرمن دفع المعلوم من المال، والتزم الأمويون والعباسيون بالمعاهدات التزاماً دقيقاً وأميناً.
ويقول إن بأرمينيا ثمانية عشر ألف بلدة وقرية تختلف رقعتها، وألف من هذه القرى يقوم على نهر «الرس»، وأهم بلدانها في عهد العرب «دبيل » القصبة ومقر الحكم، ثم يليها «قاليقلا» المعروفة بـ «أرز روم - أرض روم »، ثم «أرْزنجان» و«ملازجرد» و«بدليس» و«أخلاط» و«أرجيش» و«قارص».
وإلى جانب هذه الحواضر كانت القبائل العربية تستوطن الجنوب الغربي.. وكان لبلاد أرمينيا في العصور الوسطى شأن اقتصادي هام، وكانت تتصل ببلاد الروم عن طريق «طرابزون»..
والتي كانت أهم مستودعات التجارة البيزنطية، وخاصة المنسوجات النفسية، وكان يؤم أسواق هذه المدينة تجار كثيرون من جميع أنحاء العالم الإسلامي، وكانت البضائع تنقل عادة من طرابزون إلى دبيل ومنها إلى قاليقلا، وكانت الري أهم سوق للتجار الأرمن في فارس، وكان هؤلاء التجار على صلة مباشرة بالأعمال التجارية في بغداد.
