يستعرض كتاب (موشحات أندلسيّة)، لمؤلفه د. محمد رضوان الداية، نماذج مختارة من هذا الفن الغنائي الشعبي، عائدة لأكثر من ثلاثة وعشرين شاعراً وأديباً، اختارها الداية وقدم لها، مُعرّفاً بهذا الفن، وشارحاً نشأته وتطوره وأنواعه، وموضوعاته.

فالموشح (بحسب الكتاب) ارتبط بكلمة الأندلس. وبعد انتشاره وذيوعه في أقطار العرب والمسلمين، بقي الاسم على حاله: (الموشح الأندلسي)، ذلك لأن فن التوشيح نشأ في الأندلس، وتطور هناك، وبرز أشهر ناظميه من مدن وقرى وأرياف تلك البقاع، حيث تميز وتفنن أهلها في نظمه لأغراض مختلفة.

والموشح بحسب الزبيدي شارح القاموس، جاء من مادة (و ش ح). والتوشيح اسم لنوع من الشعر استحدثه الأندلسيون، وهو فن عجيب له أسماء وأغصان وأغراض مختلفة، وغالباً ما ينتهي إلى سبعة أبيات، تبدأ في الأكثر بالمطلع الذي هو في الوقت نفسه قفل يتلوه الغُصن. وعاشت الموشحات في البيئة الشعبيّة الموصولة بالموسيقى والغناء، لا سيّما في المواسم والمناسبات، كالأعراس.. وغيرها.

وظهر الموشح في الأندلس في القرن الثالث الهجري، بعد نشاط موسيقي عالٍ، وكان دخول زرياب (علي بن نافع) الأندلس محركاً لنهضة في الغناء والموسيقى وأشياء أخرى فنيّة وحضاريّة، وزرياب تلميذ إبراهيم الموصلي وابنه إسحاق، أشهر الموسيقيين والمغنين في بغداد، آنذاك.

وينسب الكتاب أول موشح لشاعر أندلسي من بلدة (قَبرة) قرب قرطبة هو (مقدم بن معافى القبّري) الذي توفي عام 399 هجريّة. ومن أسباب نشأة الموشح الحاجة إلى نصوص منظومة جديدة أو إضافيّة، تصلح للغناء، بناءً على بعض الأغاني الشعبيّة الدارجة، ربما تكون من المشترك بين التراث الأندلسي العربي اللغة..

والتراث الشعبي للبيئة القديمة في الأندلس. أي القشتاليّة القديمة. لكن الذي نظم الموشحات وطوّرها هم شعراء الأندلس بالعربيّة، وأضافوا في الخَرجة أحياناً العاميّة والأعجميّة، ومن الخطأ القول إن الموشح مُستفاد من (التوبادور) وأمثالهم، بل على العكس، استفاد (التوبادور) وغيرهم من الذين نقلوا عن التراث الأندلسي. وقد تطور الموشح منذ نشأته إلى اكتماله..

وخرج منه نوع من النظم اعتمد على العاميّة الأندلسيّة، أو العاميّة ممزوجة باللغة العربيّة الفصيحة، عُرف باسم (الزجل)، ثم صار الموشح من (البضاعة) الأدبيّة المنظومة، ذات الطابع الأندلسي، فلما انتبه المشارقة بعد زمن طويل إلى هذا الفن، اقتبسوه ونظموا عليه، وتتلمذوا على يد هؤلاء الأندلسيين الذين اشتغلوا على الموشح والزجل، واحتفظ هذا الفن باسم الموشح الأندلسي إلى الآن..

وهو من حيث صلته بالأوزان العربيّة التقليديّة نوعان: موشح يبنيه الوشّاح على ذوقه واختياره، يقيم للقفل وللغصن وزناً أو أوزاناً، وصنع لها قوافي..

ويكمّلها على ما يريد ويشتهي. وكانت بدايات الموشح، إلى زمن متقدّم من تاريخه، موشحات غير شعريّة. أي إن النظم هو اجتهاد ذوقي موسيقي بنغمات يختارها الوشّاح، ينظمها وينسقها، وهو في الأغلب الأعم الذي يبتكرها، ومن أمثلته الموشح الذي نظمه ابن خاتمة الأنصاري الأندلسي الذي توفي عام 770 هجريّة ومطلعه:

سل بذاتِ الضَّالِ والََّسمُر

ظبية البانِ

هل رأت مثلَ ذي المقل

بَرِشا ثانِ ؟

أما الموشح الشعري، فيبنى على وزن من أوزان العرب المعروفة، كالذي نجده في موشحة لسان الدين بن الخطيب والتي مطلعها:

جادك الغيثُ إذا الغيث همى

يا زمان الوصلِ بالأندلسِ

لم يكن وصلك إلا حلما

في الكرى أو خلسة المختلسِ

يُشير الكتاب إلى أن الموشح بدأ في ظلال الموسيقى والغناء، وفي أحضان الطبيعة الأندلسيّة، ولهذا فإن الموشح في بداياته، كان لصيقاً بهذه الأجواء الطبيعيّة وما يناسبها من الغزل، ومجالس الطرب، وصحبة الأصدقاء، ومداولاتهم، ثم تعددت أغراضه وموضوعاته، فطال: المدح، الرثاء، الهجاء، وصف الشراب..

حيث تُذكر الخمرة في موشحات الصوفيّة كناية عن (الخمرة الإلهيّة) على سبيل الرمز والإشارة. ويُكثر مخاطبة المرأة بصيغة الحبيب، ووزن (فعيل) هذا يستوي فيه المذكر والمؤنث، ومن هنا يكون الخطاب في الأغلب الأعم للحبيب التي تدل على الفتاة أو الزوجة... إلخ.