يحاول كتاب «التربية المعرفية وأخلاقيات شكلانية الفنون الجميلة»، لمؤلفه د. كريم الربيعي، التقريب بين التربية المعرفية، التي هي حسب رأيه: الأفكار الفلسفية التي تثبت في مجتمع ما لتكون فيما بعد أهدافاً في تربية وتعليم أفراده، وبين الفنون الجميلة. وفق أسس البناء المعرفي الذي هو الأساس الذي يؤطِّر للقارئ المتخصِّص سلوكاً ومنهجاً معرفياً تثقيفياً توعوياً.

ومن خلال تحديد الفلسفة التربوية الواضحة وبناء تراكماتها كمرجعيات فلسفية تربوية، يأتي، حسب د. الربيعي، عامل الانتقاء الجيد والذي يهيمن على مساحات واسعة من مصالح الأفراد وميولهم واتجاهاتهم، وأنَّ عملية الانتقاء تكون ذات وجهتين مهمتين، الأولى ترتبط ارتباطاً مباشراً بذاتيات الأفراد ومصالحهم - المشروعة وغير المشروعة وفق الأعراف السائدة عندهم - وثانيهما ترتبط ارتباطاً غير مباشر مع مصلحة المجتمع..

أي هنالك ارتباطات أخلاقية لكل فرد مع مجتمعه، وللمجتمع تجاه الفرد. وكذلك المجتمعات مع بعضها البعض، أي عدم إهمال تلك الارتباطات عندما يكون التعامل مع تلك الأفكار. والحرص على أن لا يكون هنالك إضرار بالمجتمع،..

ولا يكون الصراع جماعياً، مما يخلق نوعاً من تحطيم الإرادة وذوبان الأفكار قسراً، فتنشأ عملية (الكبت الجماعي) وهو أخطر أنواع الاختلافات، لأنَّه يمتد عمقاً في التطرف، ويتَّسع ايلاءً في الإصرار على المواقف الجديدة التي هيأت لتلك الاختلافات، فعندها تكون الخسارة مضاعفة من حيث بناء المعارف إيجابياً..

وتكون العلاقات متشابكة ومزدحمة ومتوترة ما بين جميع الأطراف، ما بين الخاص والعام، وما بين الخاص والخاص وما بين العام والعام، وهذا إذا ما حدث سيكون الهدم واضحاً في عملية البناء المعرفي لذلك المجتمع الذي وقع في هذه الإشكالية المعرفية، وتكون الخسارة في الزمن والجهد والتراكم في الخبرات.

لكن مع هذا لا بدَّ من نضج المجتمع ووصوله إلى حالة التفاعل المدرك للأفكار الفلسفية التربوية التي مرَّت عليه متدرجة دونما فواصل أو طفرات، وهو ما يهيئ المناخ الإيجابـي لعملية البناء، وهذا البناء يصبح فيما بعد ثوابت إيجابية تحتم على العاملين في الميدان التربوي على توضيحها كأهداف وكتطبيق..

ولا يمكن بعد ذلك المساومة عليها مع أية فكرة لم تأخذ مدياتها في النضج والاستقرار، لأنَّ ذلك سيقوِّي ويعمِّق أواصر العلاقة بين الأفراد والجماعات مع هذه الثوابت الجديدة، مما يخلق - ومع عملية التأكيد والاهتمام بها - نوعاً من الألفة والتوافق والرغبة داخل وخارج الشعور الذاتي بإلصاق تلك الصفات والثوابت بالنفس والافتخار بها، باعتبارها قد أوضحت وأزالت الشوائب عن عتمة الشخصية (الهوية الشخصية).