يمثل كتاب «التراث والتجديد.. مناقشات وردود»، لمؤلفه شيخ الأزهر والإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، سيرة ذاتية نقدية للحياة الفكرية والسياسية في مصر من ستينيات القرن العشرين. وتبرز من خلال أبحاثه العقلية النقدية لمؤلفه، التي لا تقبل ما يطرح عليها. ونجد الكتاب في العموم،
بمثابة مناقشة هادئة لفكر الأستاذ الدكتور حسن حنفي، ولمجمل المدارس التي أدلت بدلوها في مجال تجديد الفكر العربي والإسلامي، فيقول المؤلف في مقدمته: «يقتضينا واجب الإنصاف أن نقول: إن طائفة من كبار مفكرينا الأصلاء نظروا إلى التراث نظرة شديدة التوازن، ونبهوا إلى أن إغفال تراثنا العقلي والنقلي في مشروع النهضة الحضارية هو بمثابة الانتحار أو الدمار الحضاري..
أو السقوط في هاوية لا قرار لها، وأنه لا يتسنى لحضارة عربية حديثة أن تستوي على سوقها إلا إذا اعتمدت على تراثها في عملية التحديث؛ وذلك حتى تستبين شخصيتها وتتحدد لها ملامحها وقسماتها ...». ويجمع الكتاب في منهجه بين مختلف هذه التوجهات، ففيه دعوى ومقدمات واستدلالات، وفيه أيضا مناقشات واعتراضات وردود، وتأكيد على أن عملية التجديد يجب أن تقوم على أساس استبقاء الأصول والثوابت.
ومما ذكره الطيب في كتابه، أنه لا يزال يذكر الكثير من ستينيات القرن الماضي وهو طالب في المعهد الديني، على وشك الفراغ من دراسته الثانوية في الأزهر، وعلى عتبات كليات الجامعة – حين كانت الفلسفة الماركسية والاشتراكية العلمية تغرقهم بمطبوعاتها وسلاسل كتبها، وتأخذ على مسامعهم وأبصارهم كل طريق. ويبين الطيب أنه بلغ تأثير المعسكر الاشتراكي في ذلك الوقت مبلغ التدخل المباشر في المؤسسات الدينية.
ويبين الطيب أن هذا «المد» في الشؤون الدينية بلغ حد أن خطب المنابر في تلك الفترة كانت موحدة، ترتبط بالواقع المادي للمجتمع وتدور معه حيث دار.
وعاش طلاب الأزهر في هذه الحقبة، تهب عليهم الرياح الثقافية العاتية من شرق أوروبا وغربها، كانوا بين طريقين: إما فتح النوافذ لهذه الرياح ومعاناة الاغتراب، وإما الانغلاق في مقررات التراث ومعاناة الاغتراب .. ولم ينقذهم من هذا الصراع إلا هذه النخبة من عظماء مفكري مصر، الذين صمدوا لهذا الفكر الوافد من شرق ومن غرب، وكشفوا عن كثير من عوراته ونقائصه ونقائضه أيضا، وبينوا للتائهين من القراء والشباب مواطن الضعف والتهافت في هذه المذاهب، وكيف أنها «مذاهب هدَامة».
وهنا نصل إلى الطريق الذي سلكه الطيب في وسط هذه الحقبة، فقرأ، كما يقول، لعدة من العمالقة وكان العقاد في مقدمة هذه النخبة من العظماء، الذين مثلوا لجيلنا طوق نجاة، وأعادوا لنا الثقة في أنفسنا وفي تراثنا وحضارتنا..
ثم كانت مؤلفات المفكر الإسلامي الكبير الأستاذ الشيخ محمد الغزالي، ومقالاته ومحاضراته، «مصدات» قوية وشامخة وقفت في مهب هذه الرياح المادية العاتية.
وتوقف المؤلف عند كثير من نصوص التراث والتجديد وخلص إلى:
أولاً: ثمة فرق بين التــجديد وبين التغيير؛ الأول: حـــفاظ على الأصول وإضافة إليها، ونـــفض لما يتراكم عليها من غبار يحجبها عن الأنظار. الثاني: هدم وبدء جديد من فــراغ يتم تحت أي مسمى.
ثانيًا: إن التراث والتجديد ينتهي بنا في التحليل الأخير إلى المتاهات الآتية: الأولى: اعتبار الإسلام معطى تاريخياً، وواقعة حـــضارية حدثت في التاريخ يهمنا منه ما نشأ بوصفه حضارة، وليس مصدره: من أين أتــى؟ تهمنا حضارته بعد حدوثه بالفعل، وتجديد التراث ليس هو البحث عن النشأة بل عن التطور. الثانية: البداية العلمــية للتغيير تعني البدء بالواقع واعتباره المصدر الأول والأخير لكل فكرة. الثالثة: تحريم عملية التغيير على الطبقة البورجوازية أو من ينتمي إليها، وإسناد المهمة بكاملها إلى الطليعة المنتسبة نفسيا ونضاليا إلى الطبقة العاملة.
ثالثًا: لا ينكر المؤلف أننا في حاجة إلى التجديد، بل مشكلتنا الأم هي غيبة التجديد، لكن شريطة الوضوح والفصل بين مجال الثوابت ومجال المتغيرات، والتفرقة الحاسمة بين أصول الدين وتراث أصول الدين.
رابعًا: يرى الدكتور أحمد الطيب أن التراث هو المحرك لتصرفاتنا، والمسؤول الأول والأخير عن أزماتنا المعاصرة، ويضرب لذلك مثلاً – موقف مجتمعاتنا الإسلامية من المرأة.
