يعد كتاب «التراث في أتون الحروب.. المخطوط العربي من القرن الخامس حتى اليوم»، للباحثة السورية د. بغداد عبدالمنعم، الأول في سلسلة «كراسات تراثية» التي قرر معهد المخطوطات العربية إصدارها لتعالج قضايا التراث ذات الصوت العالي اليوم، بمقاربات جديدة، وهو يطمح إلى أن يكون مقدمة مرجعية في رصد الآثار التي خلفتها الحروب والصراعات على التراث العربي المخطوط..

وذلك منذ أن غدا هدفاً بذاته مع الحملة الصليبية الأولى في نهايات القرن الخامس الهجري. ويقع الكتاب في ثلاثة فصول، الأول خصص لعاصمتي التراث والمخطوط في سوريا «حلب ودمشق»، والثاني لفلسطين، والثالث للعراق. وحرصت الباحثة على أن تسجل عبر ثلاثية الجغرافيا والتاريخ والحاضر، أماكن المخطوطات وما تعرضت له من أخطار، عبر ألف عام وما آل إليه حالها اليوم.

وتؤكد الباحثة أن الكتاب ليس مسحاً أو فهرسة أو إحصاءات للمخطوطات العربية، ما بقي منها، وما ضاع، وما هو مجهول المصير، بل يطمح إلى أن يشكل مقدمة ترصد الآثار التي خلفتها الحروب على هذا التراث المخطوط، سواء كانت مباشرة أو غير مباشرة..

وذلك منذ الأوقات التي غدا بها التراث العربي المخطوط مستهدفاً لذاته، أي منذ الحملة الصليبية الأولى في نهايات القرن الخامس الهجري.. وإلى عصرنا الذي تعيش فيه المنطقة تغيرات واكبتها حروب وصراعات لم يسبق لها مثيل.

وتقول الباحثة إن المنطقة العربية من أشد المناطق سخونة عبر التاريخ إلى الآن، ما جعلها عرضة لإشكالات حضارية عميقة تتعلق أحياناً بوجودها وهويتها. ذلك في أزمنة متقاربة احترقت هذه المنطقة، وكان للحروب الدائبة في مدنها وفوق أراضيها آثار سلبية على خزائن مكتباتها وما فيها من مخطوطات.

وكانت الآثار مباشرة ومادية، إذ كان يجري إعدام المخطوطات إغراقاً أو إحراقاً، في حين كان من نتائج الحروب والمراحل التالية لها من أوقات باردة أو حروب غير مباشرة، أن يتعرض هذا التراث للسرقة والتهجير إلى خارج خزائنه الأصلية ومدنه، إلى خزائن ومدن بعيدة، ما أدخله في عمليات ثقافية مشكلة.

وتضيف المؤلفة: «في نهايات القرن الخامس الهجري هاجمت الحملة الصليبية الأولى «503هـ ـ 1109م» مخطوطات مكتبة بني عمار في طرابلس الشام، فأحرقتها، ثم أغرقتها في النهر (نهر أبي علي).. وكان ذلك أول وأضخم إعدام علمي للتراث المخطوط في المشرق العربي..».

وتشير الباحثة إلى أن من بين أهم الخزائن التي دمرتها الحروب الصليبية خزانة أسامة بن المنقذ، صاحب قلعة شيزر قرب حماة في سوريا.. وفي منتصف القرن السابع الهجري، اجتاح المغول بغداد وأغرقوا مخطوطاتها في دجلة، ومع نهاية القرن التاسع تشهد أوروبا في جزئها الجنوبي إعداماً هائلاً، جرى فيه إحراق مليون مخطوطة عربية وغير عربية من خزائن قرطبة وغرناطة أمام الملكين المنتصرين فرديناند وإيزابيلا».

وترى الباحثة أن «الحروب التي نالت من التراث المخطوط نيلاً أكيداً من الحملة الصليبية الأولى في نهاية القرن الخامس الهجري إلى الحادي عشر الميلادي، ويبدو أنها لن تنتهي مع الاحتلال الأميركي للعراق في بداية القرن الخامس عشر الهجري / الحادي عشر الميلادي.. غير أن الأثر المشترك والمستمر بين الحملتين الصليبية والأميركية كان السرقة وتشريد المخطوطات إلى المدن التي قدمت منها الحملتان، وتجمدت هناك في المتاحف الفاخرة..».

وتؤكد الباحثة تحت عنوان «الحروب الأخيرة.. سرقة التراث لسرقة التاريخ والحاضر»، أن مئات الآلاف من المخطوطات هجرت إلى مكتبات حملت أسماء أصبحت مشهورة بأنها مراكز للمخطوطات العربية، في بريطانيا وفرنسا وروسيا وألمانيا والولايات المتحدة.. إن السرقة والنهب وشراء الذمم في أثناء الحروب أو قبلها أو بعدها تسبب في رسم خريطة جديدة للتراث العربي المخطوط في خزائن العالم..

ذلك أن المتصفح لتاريخ الأدب العربي للمستشرق الألماني كارل بروكلمان الراصد للمخطوطات العربية وأماكن وجودها في العالم، سيجد الأمكنة الجديدة للمخطوطات العربية هي «الأسكوريال، أوبسالا، باريس، برلين، بطرسبرج، بودليانا، برنستون، استوكهولم، الفاتيكان، المتحف البريطاني، لايبزغ، مانشستر، فرانكفورت».