يرصد كتاب «ثورة الجياع.. قراءة سوسيولوجية للثورات في تاريخ مصر»، لمؤلفه الدكتور صلاح هاشم، بشكل دقيق وواف، ثورات المصريين في تاريخهم القديم والمعاصر، موضحا أسباب هذه الثورات والظروف الاجتماعية والسياسية التي تحيط بها، مؤكدا أكثر على عامل الفقر والجوع في اندلاع هذه الثورات.

ويرى المؤلف أن في حياة الأمم والشعوب أياماً لا تنسى تظل ماثلة أمام الأجيال المتعاقبة تمتاز بأنها من الأيام الفارقة الصانعة للتغيرات الكبرى.. أيام تؤصل وتجسد مستقبل الشعوب وآمالها وطموحاتها ..

وعاشت مصر على امتداد خريطتها أياما خالدة مع بدء أحداث ثورة 25 يناير 2011، وحتى سقوط رأس النظام السابق في الحادي عشر من فبراير 2011، وهناك اتفاق بين العلماء والاجتماعيين على أن الإصلاح هو نقيض الثورة، ذلك لأنه استراتيجية للتغيير الاجتماعي تقوم على التدرج، ويجري إيقاعها بالبطء النسبي الذي يعتمد.

ويبين المؤلف ان منطق الثورات السلمية يتأسس على مبدأين، أولهما: أن السلطة المستبدة ليست جسدا واحدا أصم وإنما هي بناء ديناميكي مركب، وهي لا تتحكم في الناس إلا لقبولهم بذلك. لذا فإن الثورة لا تحتاج إلى مواجهة النظام القمعي مواجهة مباشرة، وإنما يكفيها أن تحرمه من التحكم في المجتمع المستبد. وثانيهما: أن العنف الدموي المباشر ضد السلطة ليس خيارا مناسبا وأن المقاومة السياسية أجدى.

كما يوضح الدكتور هاشم أن الثورات الشعبية هي مزيج من العفوية والتنظيم وهو ما اتضح خلال الثورة المصرية في 25 يناير. فالعفوية عصمتها من الاستئصال والتنظيم أعانها على حسن التسديد. وأن كل ثورة تحتاج إلى قيادة لكن القيادة في عصر الإنترنت قيادة انسيابية وليست هرمية..

وهذا ما يجعل استهدافها عسيرا واستئصالها مستحيلا. ويؤكد المؤلف أن لثورات الجياع في مصر أسباباً عديدة تلخصت جميعها في الأزمات الاقتصادية التي تمر بها البلاد، والتي عادة ما كانت ترتبط بالنيل وبناء الجسور والخلجان للمحافظة على المياه فنقص مياه النيل يؤدي إلى القحط والظمأ وبالتالي المجاعات.

وكذلك فيضانه يؤدي إلى إلى تفويت موسم الزراعة على الفلاح المصري .. وأيضا انتشار الأوبئة والأمراض بين الحيوانات والزرع.. كما يشير المؤلف إلى وجود عوامل بشرية في اصطناع الأزمات، ويبين أن فرط الاستشعار بقدوم المجاعة يؤدي إلى الاحتكار وغلاء الأسعار.

ويرى الدكتور هاشم أن الثورات التي يشعلها الطامعون في السلطة والحريصون على الوصول إليها بأي وسيلة، هي أشد ضررا وأعظم خطرا وأطول زمنا، لأن النكبات والأزمات الناتجة عن زلازل أو فيضانات أو انخفاض مياه النيل كلها تؤدي إلى تعاون الناس واتحادهم لمواجهة هذه الأزمات.

أما الثورات التي يؤججها الصراع السياسي فإنها تهدر وتضعف من قوة المجتمع السياسية والاقتصادية والعسكرية والاجتماعية. كما يشدد على أن أكبر بلاء وأعظم ضرر أصيبت به الأمة العربية الإسلامية، كان بسبب الصراع السياسي على الحكم.

ويتناول الكتاب العلاقة بين الجوع والثورة، فيتحدث المؤلف عن ثورات الجياع في العصور الفرعونية من خلال قراءة اجتماعية لبرديات ايبور، وأيضا تحدث عن ثورات الجياع في عصر البطالمة والرومان، كما تناول المجاعات التي حدثت في العصر الإسلامي، وأشار إلى أشد المجاعات التي مرت بها مصر وكانت في العصر الفاطمي والتي سميت بالشدة المستصرية. ويبين في نهاية الكتاب، أن ثورتي مصر الأخيرتين هما ثورتا القرن وأنهما تمثلان الصراع بين الجوع والكرامة.