يُعنى كتاب «المفاهيم الأيديولوجية في مجرى حراك الثورات العربية»، لمؤلفه سهيل الحبيب، بالإجابة عن سؤال جوهري: كيف يمكن إعادة تشغيل مفهوم الأيديولوجيا العربية المعاصرة في فهم الحراكات الثورية الانتقالية العربية الراهنة؟ ويستفسر المؤلف: أليس من المفارقة توصيف المعطى الأيديولوجي في هذه المسارات العربية الجارية بصيغة العام المفرد، بدلا من صيغ التعين والتعديد..

خصوصا الصيغة الرباعية المشهورة التي تتحدث عن الايديولوجيات الإسلامية والقومية واليسارية الماركسية والليبرالية في الواقع العربي؟. ويرى المؤلف أننا نعيش بامتياز في سياق هذه المسارات.. زمن هذه الأيديولوجيات العربية المتعددة التي تفجرت «تبايناتها» و«صراعاتها» أكثر من أي وقت مضى.

لم يكتف المؤلف بالنظر إلى المفاهيم والمقولات الايديولوجية التي عرضها في كتابه الحالي من جهة مرجعياتها وأصولها الفكرية ومتونها التأسيسية فحسب، بل نظر فيها كذلك وخصوصا من جهة الواقع التاريخي والاجتماعي الذي تتنزل فيه النتائج العملية التي تفرزها خياراتها المخصوصة.

وضمن هذا المستوى الثاني، ينجلي مضمون البنية الأيديولوجية الفاعلة في أوراق القسم الأول من الكتاب، في ما اسماه المؤلف «الحلول المفكر فيها والمفعلة».. ثم في ما سماه «الخطاب المفعل » ..

وتحولاته الدراماتيكية، إذ على الرغم من أن مناط الاشتغال في هذه الأوراق كان على قراءة التقويمات والمواقف والخيارات الآنية والسياسية المباشرة للفاعلين السياسيين، فإن هذه القراءة كانت تعيد باستمرار المعطى السياسي المتعين إلى ما تراه أنه قاعدة أيديولوجية له، ثم يظهر مضمون فكرة الأيديولوجيا باعتبارها عاملا فاعلا في القـــسم الثاني، خصوصا في الفصل الخامس .

ويشير المؤلف إلى أن المعطيات الموضوعية التي تتخلل الانتقال الديمقراطي، الجارية عربيا اليوم والمقارنة بين معطيات المسارين التونسي والليبي، تبرز أن الفاعلية الإيجابية لتطبيق الإجراءات الديمقراطية تقترن اقترانا هيكليا بشرط الدولة السيادية في مفهومها الحديث، وما تفرضه أو تفترضه من اندماج وطني.

فإذا كانت صورة المسار التونسي تبدو الأفضل في مشهد الانتقال الديمقراطي في دول «الربيع العربي» فإن ذلك لا يبدو مقطوع الصلة عن التوصيف السوسيولوجي الذي يعد المجتمع التونسي نموذجا متميزا، مقارنة بالمجتمعات العربية الأخرى في مجال الاندماج السياسي والاجتماعي والثقافي، وفي مدى قدرة النخب على تكوين ملامح هوية وطنية متماسكة.

يركز المؤلف في كتابه كثيرا على التجربة التونسية، ويرى أن الجماعات والهياكل التي تستمد استقلاليتها من إضعاف الدولة وتقليص سيادتها والنيل من هيبتها، ليست هي المجتمع المدني الذي يتوافق مع تطبيق الآلية الديمقراطية ..

كما نظر الشيخ راشد الغنوشي، بل هي يقيناً بنى تقليدية تنتمي إلى زمن ما قبل الجماعات الوطنية.. وهذا ما يدلل عليه اليوم بوضوح المسار الليبي عموماً وظواهر الارتداد عن الدولة الحديثة ومنجزاتها في المسار التونسي خصوصا.

يتنزل تفكير المؤلف في استعادة مفهوم الأيديولوجيا العربية المعاصرة للمفكر عبد الله العروي، وذلك على أساس رؤيته أن هذا المفهوم ذو فاعلية إجرائية خصبة في فهم الشطر الثوري من واقعنا العربي الراهن، وفي التحليل النقدي لمساراته الانتقالية الجارية، لأنه يجعلنا منفتحين على جملة من الفرضيات المعرفية النقدية.

ويخلص المؤلف إلى أن تشغيل الأيديولوجيا العربية المعاصرة، باعتبارها مفهوما تحليليا نقديا بهذا المعنى يسهم في تحقيق المناط النقدي في المعرفة النظرية والعقلانية، التي تحتاج إليها الثورات العربية الراهنة من أجل تصحيح مساراتها المتعثرة.