يؤكد كتاب «عبدالله البردوني.. قصائد مختارة ودراسات»، لمؤلفه، د. إبراهيم الجرادي، ما معناه، أن كلّ من يتناول فرضية تبدل الأزمان وخلود المبدعين، لا يمكنه أن ينسى الكاتب المبدع والشاعر اليمني والمؤرخ عبد الله الشهير بالبردوني، نسبة إلى لبلدته «البردون» التي ولد فيها عام 1929، وتوفي في 1999.

وكان قد أصيب بمرض الجدري في عام 1933، مما أدى إلى فقده بصره، وهو لم يكد يتجاوز السادسة من عمره، بيد أنّ المصيبة لم تسجنه داخل أسوارها، إذ أقبل على طلب العلم على يد شيخ الكتاب، ثم انتقل في عام 1937 إلى مدينة «زمار» ودخل المدرسة الشمسية، حيث نال حظاً من العلم، واستهواه الشعر وسيطر عليه منذ حداثة سنه.

ثم انتقل إلى «صنعاء» في عام 1949، وانتسب فيها إلى «دار العلوم»، فاستحق منها الإجازة بامتياز، وهي التي أهلته ليكون مدرساً فيها للأدب، وذلك ما بين عامي 1953-1962، فازداد خبرة ونضجاً، والتحق بالإذاعة ليشرف على البرامج الثقافية، وعلى الرغم من انشغاله في حقول شتى، بقي الشعر همّه الرئيسي.

اعتمد البردوني نظام القصيدة العمودية المضمخة بالنزعة الرومانسية المشحونة بعاطفة شديدة، تندمج اندماجاً جميلاً بالطبيعة والافتتان فيها، ثم راح ينظم قصيدة المقاطع، والشعر الموزون على التفعيلة.

وكان الشاعر من أبرز مؤسسي اتحاد الأدباء والكتاب اليمنيين، ثم انتخب رئيساً له في مؤتمره الأول. ونال جوائز عديدة، منها: جائزة العويس- في الإمارات، جائزة أبي تمام- في الموصل، جائزة شوقي- في القاهرة. وعني الدارسون بدواوينه كلها، فبلغت 12 ديواناً، كما عنوا بأبحاثه ودراساته التي بلغت 8 دراسات، وكان نتاجه الأدبي والثقافي في مدار رسائل علمية للماجستير والدكتوراه.

وكتب عبد العزيز المقالح عن شعر البردوني «رغم محافظته على الأسلوب البيئي في القصيدة، وهو المعروف بالعمودي..

شاعر مجدّد وليس في محتويات قصائده فحسب، بل في بناء هذه القصائد القائم على تحطيم العلاقات اللغوية التقليدية، وابتكار جمل وصيغ شعرية نامية، صحيح أن إيقاعه كلاسيكي محافظ، لكن صوره وتعابيره حديثة، تقفز في أكثر من قصيدة إلى نوع من السوريالية، تصبح فيه الصورة أقرب ما تكون إلى ما يسمّى باللامعقول».

وولد البردوني في رحم الحضارة المتوهجة بالأسئلة التي تنتشل الأعصاب المريضة من واقعها المتردي، وكان كمون إبداعه يتحرك في جذوة الأصالة ليشرق في صورة الحبّ الوطني الرومانسي الأبهى، لكنه حبّ يتعالى على صدأ النفس، وحالات التعب العابر، وفق ما عبر عنه في ديوانه «مدينة الغد»، عام 1970، ومنها يغني لذاته المتألمة وقد أنهكها البحث عن الوجود الأفضل.

امتزج عند البردوني الانتماء إلى الوطن بحسّ الانتماء إلى اللغة والإبداع، لم يشأ لحناء الحرف المخضب بأريج المجد إلا أن يكون وساطة إبداعه وهو يزهو فيه، وهو الحرف الذي أقام بوساطته عالم الوجود الزاهي، وأراد أن يزهيها رسالة يبعث بها إلى الأجيال من بعده، وقد استهام بمحبة الوطن التي ازدانت بالبهاء والحسن.