يضم كتاب «الوجيز في تاريخ الموت»، لمؤلفه د. دوغلاس ديفيس، ثمانية فصول: رحلة إلى عالم الغيب، الحزن العذب على الفراق، إزاحة الموتى، علم البيئة والموت والأمل، الفن البصري والأدب والموسيقى، أماكن الذكرى، الخوف من الموت، الموت الهادف والموت عديم الجدوى. إذ يعتبر أنَّ تاريخ الموت هو تاريخٌ لتأمُّل الذات. من نحن؟

من أين نأتي، وإلى أين نذهب بعد الموت؟ إذا كانت هناك آخرة، فماذا تشبه وكيف نتأهَّب لها؟ لكن إذا كانت هذه الحياة هي تمام زمننا، فكيف يمكن أن نعيشها على أحسن حال، ونحن نعلم أنَّنا سوف نموت؟

ويبدأ المؤلِّف بحثه من الأسطورة الشعبية التي قدَّمت هي واللاهوت الرسمي تفسيرات لأصل الموت ومصير الحياة. فمثلاً تقدِّم «ملحمة جلجامش» البابلية تأمُّلاً فلسفياً في الوضع البشري موضوعاً في شكل أسطوري. هذه القصة عن الصداقة الإنسانية تصوِّر إخلاص إنسانٍ لإنسان آخر، وتؤكِّد جوائح الانفصال التي يسبِّبها الموت..

وتتفكَّر في الماهية الصميمة للطبيعة الإنسانية بطرح الأسئلة المتعلِّقة بموضوعات حول: كَمْ من الملامح الحيوانية والإلهية تكمن في أساس البشر؟ وهي موضوعات تتكرَّر في الفلسفات الدينية الكثيرة، وليس أقّلها في اليهودية والمسيحية.

ويشرح الكتاب أن معتقدات الموت، سواءً أكانت على شكل مسرود أسطوري، أم عقيدة قطعية لاهوتية، أم تأمُّل فلسفي، فإنَّها تساعد على تفسير الحياة ذاتها. إنَّها تشير إلى أهداف الحياة وإمكاناتها، وتعترف بصعابها وأخطارها غير المعلومة. وتكمن الوسيلة الفلسفية لتفسير القدرة البشرية في فكرة تجاوز الذات.

يتحدَّث المؤلِّف دوغلاس عن «الأسى» باعتباره استجابة إنسانية رئيسية للموت.

ويوضح أنه ليس في الفكر الأوروبي ما اتّسم بالتفصيل في مثل هذا المجال أكثر من الشاعر«دانتي أليجييري». وتقدِّم قصيدته الملحمية الروحية «الكوميديا الإلهية» تعليقاً متميزاً على الحياة والموت والحياة بعد الموت. وحثَّه على كتابتها جزئياً على الأقل، موت صديقته الحميمة «بياتريس». وبعد قرون عدة انشغل «جون ميلتون» كذلك بالموت، وهو واحد من أكثر الأذهان الإنجليزية إبداعاً في القرن السابع عشر.

وتتعدد ألوان الطيف في الخوف من الموت، حسب اشارة المؤلف، حيث يرى بعضهم أنَّه شديد السواد، بحيث يهيمن على كل الانفعالات الأخرى، في حين أنه يحتلُّ عند بعضهم موضعاً عديم الأهمية نسبياً. ورأى فلاسفة كثيرون، سواءً أكانوا محترفين أم كانوا، مثلاً، روائيين وجوديين، أنَّ المواقف من الموت وثيقة الاتصال بإحساسنا بالهوية، وبأسلوب عيشنا وبالمعنى الذي نشعر به في الحياة التي نعيشها.