يضم كتاب الضمة في بور سعيد، لمؤلفه د. محمد شبانة، توضيحات متنوعة عن من فنون تميزها عن غيرها من المناطق المتنوعة في كل بقاع مصر، بما تشكله معا من نسيج الشخصية الموسيقية المصرية. اغاني «الضمة». إذ يعرفها بداية انها «السامر» أو تجمع الناس للغناء باللهجة البورسعيدية، وهي شكل من أشكال التعبير الشعبي، عرفته المنطقة حول قناة السويس بعد حفرها منذ أكثر من القرن ونصف القرن.
وهي أن ينضم جماعة من الناس إلى بعضهم البعض للتسامر والغناء. ويبين الكتاب أنه عندما بدأ حفر القناة، جلب الكثير من عمال التراحيل والعمال الزراعيين من شتى المناطق بمصر. وفي نهاية يوم العمل الشاق كان أبناء كل جماعة يتقربون إلى بعضهم البعض، كي يسروا عن أنفسهم بأغانيهم، وهو ما يبدد عناء غربتهم وقسوة الظروف التي يعملون فيها.
ويوضح المؤلف أنه تحتوي هذه الظاهرة من عناصر الغناء في فترة أوائل القرن الـ19، تلك القوالب التي تطورت وانتشرت بمضي الوقت. ويشير المؤلف انه يمكن معرفة المتغيرات التي طرأت عليها الآن، تبعا للمتغيرات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي طرأت على المجتمع البورسعيدي. فإنها إذن محاولة للتعبير عن صراع الإنسان في معركة الحياة، لعله يهون من ثقل مشاكل المعيشة والحياة بقسوتها، ويقولون:
«جمالك يا فريد عصرك .. يحاكي البدر في تمه وأخوك الظبي حين شافك .. عشق ذاتك وزاد همه»
ويؤكد المؤلف أنه لم تكن كل الأغاني في العشق، لكن هناك أغان تسعى للإجابة على كافة تساؤلات النفس. إذ كانت رغبة العمال بزيارة الأماكن المقدسة رغبة جامحة وملحة، ويقولون:
والصلاة على النبي يا جمع صلي
والله صلاة النبي مكسبي
يا رب حجة ونزور النبس
كما هناك مجموعة متنوعة من الاغاني التي تعبر عن مشاعر ومعايشات وآمال وطموحات هذه المجموعة من الناس.
ولعل الدور الغنائي التالي من أكثر الأدوار الغنائية تعبيرا عن الواقع القاسي الذي كان يعيشه هؤلاء: عمال حفر قناة السويس، حيث يجري مشاركة بين المؤدي ومجموعة من المرددين:
المؤدي: يا حالي؟ المرددون: بس أنا مريت
المؤدي: على فين يا رب هاترميني؟
المرددون: والانجليز طمعانة فينا
وهي أغنية طويلة وكاشفة، تعبر عن ثراء في المعاني والموضوعات والصياغات اللحنية وطرق الأداء في جملة أدوار الضمة.
كذلك أفرد الكاتب فصلا كاملا حول الخصائص العامة لأغاني احتفالية الضمة، وهي: أنها أغان على درجات صوتية مختلفة، فيها مساحات لحنية متنوعة (تبدأ خمس درجات ولا تزيد عن عشر درجات)، عدم وجود قفزات لحنية واسعة، ندرة الزخارف اللحنية، تتبنى الضمة المقامات العربية في الموسيقى العربية. أما طريقة الأداء فهي متنوعة نسبيا ما بين المؤدي والمرددين في شكل حواري، أو المؤدون ينقسمون إلى مجموعتين فيتبادلون الغناء.
وخلص الكاتب إلى عدة نتائج: أن مصطلح الضمة لا يعني لونا في الغناء بل يعني احتفالية تجمع الناس للغناء وهي تمارس حتى اليوم في المناسبات الاجتماعية المختلفة، أغاني الضمة هي مجــموع أغاني مناطق أخرى حيث بورسعيد مدينة جديدة، قديما كانت تصاحب بالآلات الإيقاعية فقط، الآن ضمت آلة السمسمية مند العقد الثالث من القرن الـ20.
ويؤكد المؤلف أنه ليس بين المؤدين من يمتهن الغناء على الرغم من تواضع المهن التي يمتهنها. ويبين ضعف الاهتمام بالضمة بعد عام 1967م، نظرا لهجرة سكان بورسعيد. ويلفت الكتاب الى انه ما بعد 1973م، وعودة السكان كان الانفتاح الاقتصادي وانشغال الجميع بالتجارة، حتى يمكن اعتبار الضمة ظاهرة ثقافية فنية، اختفت الآن أو كادت.. مع بقاء أدوار الضمة ضمن الفنون الشعبية لبورسعيد.

