الفكر التربوي الصوفي.. قراءة في التراث

ت + ت - الحجم الطبيعي

يُقدّم كتاب «الفكر التربوي الصوفي»، لمؤلفه الدكتور الأخضر القويدري، قراءة في التراث التربوي عند أعلام التصوف الإسلامي. ولا شك أن المدرسة الصوفية تميزت بتربيتها الروحية، والتي تجلّت بوضوح فيما أبدعه أصحابها من طرق ومناهج مختلفة عمّا عرفته المدارس الأخرى، حيث ركزت المدرستان: الفلسفية والكلامية على الفكر والتجريد، بينما اشتغلت مدرسة الفقهاء بالأحكام والعبادات.

يبين الكتاب أن أوائل الصوفية كالإمام المحاسبي والإمام الجنيد والإمام أبي طالب المكي والإمام القشيري، أرسوا الدعائم الكبرى للمنهج التربوي الصوفي، فتكلموا في القضايا المتعلقة بالأحوال والمقامات، وأثاروا كثيراً من المباحث النفسية والأخلاقية، وكانت بصماتهم واضحة في فكر الإمام الغزالي، الذي استلهم قواعده التربوية من آثارهم، وأبرزها جلية في كتبه، خاصة في كتابه «إحياء علوم الدين».

وكان مؤسسو تلك الطرق (وهم: عبد القادر الجيلاني، أحمد الرفاعي، وأبو مدين شعيب)، ينتمون إلى مرجعية واحدة ويتصلون في سندهم الروحي بسيد الطائفة الإمام أبي القاسم الجنيد، الذي تبوأ مكانة سامية في تاريخ التصوف الإسلامي بسبب اعتدال خطابه الصوفي.

أمّا فيما يتعلق بالمنهج التربوي عند الشيخ محي الدين بن عربي، فكان متطابقاً مع سابقيه، واتضح من خلال تعاليمه التربوية وسيرته الروحية، أنه كان شديد الالتزام بالأخلاق الإسلامية ولم يتوصل أبداً إلى إسقاط التكاليف.

ويبين المؤلف أن الصراع الفكري لم يكن سائداً بين الصوفية وغيرهم، وبين علماء الكلام والفقهاء، وبين الفلاسفة وعلماء الكلام، في الفترات الأولى.

وذلك من دون أن ننسى الصراعات الفرعية التي كانت تحدث من حين لآخر حتى داخل المدرسة الواحدة، ممّا يدلّ على خصوبة الحياة الفكرية الإسلامية وحيوية العقل الإسلامي بجميع أطيافه واتجاهاته. وإذا كانت تلك القواعد التربوية الصوفية قد اتسمت بشيء من الصرامة، فإنّ ذلك راجع أساساً إلى كونها موجهة للخاصّة من السالكين وليست موجهة لعامّة الناس.

وربما يفهم من ليس له خبرة بالتربية الصوفية، أن تلك القواعد ترمي إلى تحريم متع الحياة ولذاتها، وتؤدي بصاحبها إلى اضطرابات عصبية، أو انحرافات نفسية لها خطرها على سلامته، إلا أنّ المتأمل في تلك القواعد كفيل بتخطئة هذا الرأي، لأن أهداف التربية الصوفية تطهير القلب وعلاج النفس وإحداث التوازن النفسي العصبي لدى المريد، وإذا ما حدث أن وقع أحد المريدين في بعض الانحرافات النفسية أو العقدية أو الأخلاقية.

طباعة Email