يطرح كتاب «اللغة والفكر وفلسفة الذهن»، لمؤلفه مصطفى الحداد، إشكالين مركزيين: الأوّل معرفي صرف، والثاني منهجي أو سجالي حول طبيعة الفكر والإشكالات المتصلة به، ذلك من منظور ما أطلق عليه «بوتنم» لقب «النزعة الذهنية لمعهد الماساتشوستس (MIT). إذ تأسَّس عام 1861 بمدينة كامبريدج» المتصلة بأعمال كلٍّ من نعوم تشومسكي وجرِّي فودور.. ومن سار على نهجيهما. إذ تصدر هذه النزعة عن تصور عقلاني يقضي بأنَّ الإنسان يولد مزوَّداً بجهاز فطري مخصَّص تخصيصاً عالياً يمكنــه من اكتساب المعارف.
وترى أنَّ المحيط لا يلعب إلا دوراً هامشياً في هذا المسلسل الاكتسابي. وتؤمن بإمكان تخصيص «محتويات» هذا الجهاز الفطري تخصيصاً علمياً على النحو الذي تخصص به الفيزياء (بالمعنى العام) موضوعاتها.
وتندرج المعالجة التي يقترحها المعهد لسؤال الفكر في سياق عام، تتحكَّم فيه مقتضيات ما أصبح يُعرف في تاريخ الفلسفة بالانعطاف اللغوي أو ما يعبَّر عنه أحياناً بأنموذج اللغة. غير أنَّ اندراج هذه المعالجة ضمن أنموذج اللغة لا يعني خلوها، أو انفصالها التام عن دعاوى نظرية المعرفة المتصلة بفلسفة الذهن الديكارتية، أو ما يُعرف عند آبل وهابرماس بأنموذج الشعور.
فعندما نتأمل أطروحات المعهد نجدها مشدودة إلى التسليم بوجود حيِّز فطري قائم في الذهن يلعب دوراً أساسياً في اكتساب المعارف؛ ونجدها تتحدَّث عن هذا الحيِّز بوصفه نسقاً من التمثيلات الداخلية؛ ونجدها، في نهاية المطاف في الاكتساب على عكس ما تفعل النزعات التجريبية كالسلوكية وغيرها.
وهذه المواقف هي عينها المواقف التي نلاقيها في فلسفة الذهن الديكارتية القائمة وراء أنموذج الشعور. فديكارت انطلق من موقف فطري، وبنى نظرية تمثيلية للذهن، وخالف النزعات التجريبية مخالفة جذرية.
وانطلق ديكارت من تصور يقضي بأنَّ الذهن جوهرٌ مخالف لجوهر الجسد. ودافع عن رأي مفاده أنَّ الذهن هو الشيء الوحيد الذي تستطيع الذات العارفة (المفكِّرة) بلوغه بلوغاً ابستملوجياً حقيقياً. وعبَّر عن هذا الرأي - وهو بالمناسبة الرأي الذي بُنيت عليه نظرية المعرفة عنده - بوضوح تام حينما قال: ليس هناك شيء أسهل علي من معرفة ذهني.
ويرجع يُسر الوصول معرفياً إلى الذهن، في نظره، إلى تلكم العلاقة الخصوصية (الحميمية) التي تقيمها الذات المفكِّرة بنفسها. فبمقتضى هذه العلاقة (التي تُعد استبطانية من الوجهة النفسية) تستطيع الذات المفكِّرة الوصول إلى حيِّز التمثيلات الداخلي على نحو جذري؛ لأنَّ هذا الحيِّز يُعد، من جهة، منتمياً انتماءً كلياً إلى الذات؛ ويُعد، من جهة أخرى، سابقاً على عالم الموضوعات المتمثـِّـلة.
ويرى بعد ذلك المؤلِّف، أنَّ «المعهد» عندما يتحدَّث عن الذهن وعن التمثيلات الداخلية فإنَّه لا يفعل ذلك من منطلق ثنوي كما فعل ديكارت؛ بل ينطلق من نزعة مادية أو فيزيائية صريحة لا تضع حداً فاصلاً بين الذهن والجسد. فالمعهد يعلن دون لفٍّ أو دوران، أنَّنا كائنات مادية أو فيزيائية في عالم فيزيائي. وسمى (فودور) النزعة المعبَّر عنها في هذا الإعلان فيزيائية الحدث، وأطلق عليها (بوتنم) لقب الأطروحة الأولى للنزعة المادية.
بعد ديكارت وبرنامج المعهد، يذهب المؤلِّف مصطفى الحداد إلى أنَّ (ريتشارد رُورتي 1931- 2007) وهو فيلسوف أميركي، حينما عرَّج على مناقشة بعض افتراضات علم النفس المعرفي لدى «فودور» و«فندلر» وغيرهما، ناظراً فيها، فاحصاً ما يميِّزها عن نظرية المعرفة لدى كلٍ من ديكارت وكانط، انتهى إلى أنَّ تخصيص بنية الذهن ومحتوياته لا تعد، خصوصاً عند فودور، محصَّنة مما قد تثيره التجربة من شكوك.
وفي بحثه عن «وحدة العلم»، يرى المؤلِّف أنَّ عبارة (وحدة العلم) تعني حسب «أوبنهايم» و«بوتنم» معنيين: الأوَّل هو الحالة المثالية للعلم، والثاني هو التيار الفكري الذي يدفع العلم بقوَّة نحو هذه الحالة المثالية.
