يبحث كتاب (الحرية والالتزام) الذي أعده وقدم له الدكتور علي القيّم، في موضوع إنساني شفيف، لا يزال الشغل الشاغل للمفكرين والأدباء والفنانين، هو (الحرية). وذلك من خلال وجهات نظر ثلاثة عشر كاتباً سورياً، من بينهم: عبد لله عبد الدائم، أنور الجندي، بديع الكسم، تيسير شيخ الأرض، تامر سفر، عادل العوا، طيب تيزيني، عبد الباقي يوسف.يرى الكتاب أن الحرية دون تفكير لا قيمة لها، وهي أشبه ما يكون بالسعي وراء السراب الذي يحسبه الظمآن ماء. والحرية بحاجة إلى إدراك، وهي ليست مطلقة، وممكنة تجاه الأجزاء، وهي ليست كذلك ضمن الكل..
وهذا ما يُشير إليه المفكر تيسير شيخ الأرض في دراسته التي ضمها الكتاب بقوله: إن الأجزاء وليدة الصيرورة، والصيرورة لها منطقها الصارم الذي لا تحيد عنه، لأنها في نهاية التحليل، صيرورة وجود مشخص واحد، له قوانينه الكليّة الثابتة، ولهذا كان معنى الحرية هو الانخراط في صيرورة الوجود المشخص، المرتبط بزمان ومكان معينين، في الوجود وصيرورته.
صحيح أنها حرية اختيار بين جزئيات مختلفة، ولكنه اختيار من هذه الجزئيات التي هي جزئيات الكل. أما المفكر عبد الله عبد الدائم فيرى أن لفظ (الحرية) يلتف بكل ما في حياة الإنسان من جوانب متشابكة ومتناقضة، وليست هناك كلمة تلقى من اضطراب المعنى وتدافع الفكر مثل ما تلقاه. إنها على رأس تلك الأمور التي نلوكها وتلوكنا، وتدنو منا وندنو منها، وتزداد مع ذلك، لقربها ودنوها ومعايشتها لنا، استغلاقاً وإبهاماً.
المفكر بديع الكسم يرى أن الحرية قد تكون حريات، لأن حرية التصميم في قرارة الأنا غير حرية التنفيذ في ساحة الواقع، ولأن حرية التفكير الصامت غير حرية التفكير بصوت مرتفع، ولأن حرية الفرد الواحد غير حرية الإنسان أينما كان. ويذهب الأديب منير الحافظ إلى اعتبار أن وأد الحرية هو عملية إرهاب مذهل بحد ذاتها، وأن في مقتلها، إلغاء بائساً للقيم الإنسانيّة التي تضبط سلوكنا الغريزي (الوحشي).
وبرأي الأديب عاطف بطرس الحرية هي معرفة الضرورة والتغلب عملياً عليها. هي القدرة الكامنة في الإنسان والمجتمع على كشف القوانين ومعرفة الظواهر وسبل السيطرة عليها. أما الناقد عبد الباقي يوسف فيرى الحرية إحساساً داخلياً بالإشراق والطرب، يعبق على النفوس جميعاً، بيد أن آلية الاستقبال لهذا الإحساس تختلف من تركيبة إنسانيّة إلى غيرها، وهذا يتداخل بمفهوم الحرية لدى شرائح الناس..
وما يهم أن أي إنسان على سطح الأرض يمكن له أن يعيش وقع الحرية النفسيّة حتى لو كان في خيمة صغيرة في عمق الصحراء. الحرية هنا تكون لمن يهيئ مشاعره لاستقبالها، ويستمتع بلحظاتها الذهبيّة، وعندئذ يمكنه أن يشرق على الحياة، ويقدم عملاً مجدياً.
الباحث تامر سفر يرى أن مشكلة الحرية هي من أقدم المشكلات الفلسفيّة وأعقدها، إذ واجهت الباحثين والمفكرين من قديم الزمان، ولا تزال مركز اهتمام مفكري وباحثي اليوم. إذ اكتسبت أهميّة أساسيّة في كل المراحل التاريخيّة بحيث نستطيع أن نعدها مفتاح المشكلات الفلسفيّة جميعاً. إن مسألة الحرية هي اليوم بحق من أخطر المسائل التي يتعرض لدراستها العلماء والباحثون..
حيث أصبحت من خلال التطور الإنساني عبر التاريخ شاملة للوجود الإنساني بأسره. إن مسألة الحرية مشكلة حيويّة لا تكاد تنفصل عن الوجود الإنساني نفسه، من حيث إن الوجود الإنساني ما هو إلا وجود (حرية) تضع نفسها موضع التساؤل.

