يجمع ديوان «الأيام ليست لنودِّعها»، للشاعر اللبناني عبده وازن، بين الشعر والمعرفة والفلسفة. وأوَّل ما يشدنا في شعره أنَّه يضعنا مع ألفاظ تحمل الدوافع اللامعقولة لما آل إليه (عقلنا). فوازن وهو يكتب قصيدته لا يفصل اهتمامه الفلسفي. ولا يخفي اهتمامه بالأفكار والأحكام. بل إنَّ الكثير من قصائد الديوان هي (أفكار) ساخرة ساخطة..
فيُطلق التحذيرات التي تكشف رغباته الطفلية الغافية في لاشعوره الديني. ما يعني في وجهٍ من وجوه قصيدته، أنَّه يكتب تجارب حقيقية للروح وهي (تفكِّر): «إذا توارت الخطى/ المرسومة أمامنا على التراب/ يمكننا أن نمشي في الهواء/ كما يفعل الملائكة/ عندما يفقدون حصى الطريق». وأيضاً: «الناس الذين يزوروننا في نومنا/ كيف يحيون؟/
هل يبصروننا مثلما نبصرهم/ بقسمات غريبة ونظرات لا نفهمها؟/ هل هم غرباء ضلّوا سماءهم؟/ هل هم أنسباء لنا نجهلهم/ أم أنَّهم موتى يصحون قليلاً إلى رقادهم/هؤلاء الذين نلمحهم/ ألا يؤوبون على أسرَّتهم؟/ هل ينامون في أوَّل الصبح/هؤلاء الذين يطرقون نوافذ نومنا/ متى يصحون من نومهم؟».
طبعاً وازن يكتب بلغةٍ إنسانية. فيطلعنا أنه إذا كان الكلام، خاصة، شعراً أو نثراً شاعرياً- قصيدة النثر، فهو هنا له قيمة استهلاكية كما في الكلام اليومي في الحياة الاجتماعية والسياسية. ففي الشعر اقتراحات اللسان هي اقتراحات مسؤولة فوق عالم السلعة، وهذا ما خلَّد الشعر الجاهلي والأموي والعباسي..الخ.
وكذا شعر هوميروس وشكسبير وبودلير وهولدرن وإليوت ورامبو وغيرهم. فأشعارهم هنا تشبه أو هي أكثر من معدن (ثمين)، هي فوق الورق النقدي، هي جواهر.. أحجار كريمة وذهب و..و. نستعملها ليس كقيمة تبادلية. بل كقيمة- نقد- أخلاقية.. جمالية ذات وجود اجتماعي ومشاعية.. للجميع.
أي بما معناه هي (ثروة) كلامية من شعر، وينسحب هذا على الفلسفة والمسرح والرواية، ومهما تداولناها فهي ليست سلعة، وعائداتها إنَّما لتقوية الروابط الإنسانية بين البشر حين تمتد لها سكين المستبد، الطاغية. فلا كتابة من خارج الشعور و(المأساوي) عندما تصير الحياة سجناً: « الزوار الذين طرقوا الباب/ حملوا إلينا وروداً وبنادق صدئة/ هم يعلمون أنَّ الذئاب/ تطوف كل ليلة من حولنا/ نحن الذين لا حرَّاس أمام أبوابنا/ نحن الذين نخشى وعورة الظلام».
ونلاحظ في شعر المؤلِّف، أيضاً، أنَّه لا وساوس جنسية كانت جموحة أو وقحة تركب كلامه/ صوره، فهو لا يذهب إلى الشطط والعبث والابتذال: «في عزِّ الظهيرة/ عيناك/ إذا أغمضتهما/ سقطت نجمةٌ من نومها/ إذا فتحتهما/ أشرق ليلٌ في وهدتهما».
وكثيراً ما نرى لقطات سينمائية سريالية في قصائده – ما يذكِّرنا بالشاعر الفرنسي «جاك بريفير»- لقطات قريبة قاطعة: «رجل وامرأة/ يسقطان في لجَّة عيونهما/ عندما يغمضانها/ عندما يفتحانها». وبعيدة: «السماء العارية تجلس بالقرب من البحر/ أقل من حقل يمائم». بل لقطات ولقطات معاكسة:
« النهار الذي عبر ليس نهارنا/ الليل الذي ننتظره مثل قوس قزح/ ليس ليل نوافذنا/ لكننا مدعوون إلى مائدة منتصف الزرقة/ هناك فوقنا تلوح غيمة بلا روح/ من حولنا تحلق عصافير لا بيوت لها». وهذه تمثِّل حركات متواصلة لتؤثِّر- مؤثِّرة:
«أقلِّبُ كتاباً قلَّبتهُ أصابعُكِ قبلَ النومِ بقليل/ عسى عينايَ تأسران ضوءاً سقطَ من عينيكِ عليها عِندما كنت تقرئين». حتى إنَّنا نرى عمقاً للصورة أو نفياً للعمق والمنظور: « أنت لي/ مثلما لست لك/ مثلما كلانا لكلينا أم لا/ لكن حياتك ليست لي/مثلما حياتي ليست لك/ مثلما حياتُنا ليست لأحد». وذلك خارج الإحداثيات الزمانية والمكانية: « عيناك/ إذا أدمعتا/سقط شعاع من فضة/ إذا ارتعشت جفونهما/ شاعت حمرة في الهواء/ إذا عبر سماءهما سربُ يمام/ مالت ظلال في غابة».
