يتقصى كتاب (تاريخ الكتابة) لمؤلفه يوهانس فريدريش، (من ترجمة د. سليمان أحمد الضاهر)، عملية تطور الكتابة من مرحلة الكتابة الصوريّة، إلى مرحلة الكتابة بالفكرة، وصولاً إلى مرحلة الكتابة بالكلمة، فالكتابة المقطعيّة، ثم مرحلة الكتابة الأبجديّة التي ابتكرها الفينيقيون، ضمن منظومة كتابيّة بسيطة تقوم على 24 رمزاً من طراز صامت + صائت).
يرى الكتاب أن الكتابة من أهم الانجازات الحضاريّة الإنسانيّة، لأنها والكلام المنقول بشكل شفوي، يمثلان الأنواع الأساسيّة للتخاطب، ويمكن أن نضيف إليهما الحركات الإيمائيّة، وهذا النوع من التخاطب تعرفه الحيوانات، لكن الكتابة بالحروف ليست الشكل الوحيد للكتابة، بل هي فقط أحد أشكالها المتعددة.
من جانب آخر، ارتبطت الكتابة ارتباطاً وثيقاً بالثقافة وتطور الإنسانيّة العام، ما جعلها تضطلع بمهمة عظيمة في تاريخ الإنسانيّة المبكّر، وفي هذا الصدد، قدم الشرق القديم للعالم أول كتابتين هامتين: الكتابة المسماريّة، الكتابة الهيروغليفيّة المصريّة. كما نشأت في الشرق الكتابة الأبجديّة الساميّة (يعود تاريخ هذه الكتابات إلى الألفين الثالث والثاني قبل الميلاد) وعلى هذه الكتابات بنت أوروبا كتاباتها.
بعد أن يستعرض الكتاب الإبداع المهم للكتابة في العالم القديم، ويقف عند بنيتها ورموزها ومراحل تطورها، يتحدث عن الانقلاب الكتابي ونشأة الكتابة الأبجديّة السامية في الشرق القديم، والمنظومات الكتابيّة الخليطة المسماريّة والصامتة، خاصة كتابة أوغاريت التي اكتشفت في القصر الملكي الأوغاريتي الواقع على الشاطئ السوري قرب مدينة اللاذقيّة..
والذي يعود تاريخه إلى القرنين الخامس عشر والثالث عشر قبل الميلاد. كما يُشير إلى اكتمال نشأة الأبجديّة والكتابة اليونانيّة، ونشأة الكتابة الأوروبيّة، ويُفصّل في الأنواع الكتابيّة المختلفة، ويُعدد خصائص الكتابة الصامتة، والكتابة الأبجديّة، وكتابات آسيا الوسطى المشتقة من الآراميّة، والكتابة بالكلمة عند الصينيين والفيتناميين واليابانيين والكوريين، ثم يُشير إلى الكتابات المبتكرة في أنحاء العالم المختلفة.
وصولاً إلى ابتكار الكتابة المعاصرة في أميركا وافريقيا وسيبيريا، وينتهي إلى وضع ملاحظات ختاميّة حول تطور الكتابة التي طمحت في البداية، إلى التعبير عن الفكرة بوساطة الرسوم التي يجب أن تكون مفهومة وواضحة للجميع، ومن دون أية علاقة صوتيّة، ولكن مع نشأة الكتابة الألفبائيّة، أصبح هدف الكتابة هو نقل الصوت، وبذلك تنتهي الكتابة بالمفهوم..
لأن التعبير عن الأفكار لم يعد بطريقة الرسوم، بل عن طريق الصوت، لكن في بعض الحالات، كان لا بد من تدوين الأفكار بوساطة الرموز لتكون مفهومة في جميع أنحاء العالم، ذلك بصرف النظر عن حقيقة أن لكل شعب لغته الخاصة. ومن هنا فالوسيلة في الفهم السريع للنص، تنهض بها الكتابة الصوريّة القديمة، وهنا مثال ذلك شاخصات المرور المفهومة للجميع، في أصقاع العالم كافة.
