يدرس كتاب «تحليل خطاب الرواي»، لمؤلفه حمود بن حمد الشكيلي ثلاثة نماذج من الرواية الحديثة في عُمان: رحلة أبو زيد العُماني لمحمد بن سيف الرحبي، الوخز لحسين العبري، همس الجسور لعلي المعمري. ويرى أنَّ هناك شحاً في الدراسات والبحوث العلمية حول الرواية العُمانية. وهي من الأسباب التي جعلته يدرس واقعها الذي هو من عمر النهضة العمانية الحديثة التي أشرقت شمسها سنة 1970.
إذ تلتقي بهذا مع القصة العُمانية في تزامن كتابتها في التاريخ والحدث. ثمّ يُمهِّد المؤلف لبحثه بأنَّ أوَّل رواية عُمانية طبعت هي رواية «ملائكة الجبل الأخضر» عام 1958، ثمَّ رواية «الشراع الكبير» التي نُشرت عام 1972..وبهاتين الروايتين، يكون (عبد الله بن محمد الطائي)، رائد الرواية الأدبية في عُمان، بل قد يكون أوّل عُماني أصدر رواية.
وهي هنا ريادة تاريخية، أكثر منها فنية. وفي البحث سنجد أنَّ هناك أسماء أخرى قد كتبت الرواية في العقدين التاليين: الثمانينيات والتسعينيات من القرن العشرين، ومنهم : سعود المظفر، وسيف السعدي، وغيرهم.
في نهاية التسعينيات ظهرت أوَّل رواية للروائي علي المعمري، وقد شهدت الألفية الجديدة دخول أسماء عديدة إلى الكتابة الروائية منهم:
حسين العبري ومحمد بن سيف الرحبي. ثمَّ يسرد الكاتب الشكيلي التحولات التي شهدها المجتمع العُماني الحديث في ظل الطفرة الصناعية والإلكترونية والنفطية. وهو ما حتَّم على أفراد المجتمع أن يبحثوا عن وسيلة للتعبير تناسب العصر الحديث، أسوة بالتغيرات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية التي شهدها الخليج العربي..
فكان على المجتمع العُماني ضرورة البحث عن صيغة جديدة للتعبير تناسب حراك العصر الحديث، فبدا من خلال النتاج السردي الوفير الذي أفرزته أسماء عديدة، سواء في القصة أو الرواية أنَّ السرد هو أنسب وسيلة للتعبير، فهو الأقرب للطبيعة البشرية المناسبة للتحولات الكبرى التي شهدها المجتمع العُماني الحديث.
ويعتبر المؤلف أنَّ الروايات الثلاث مصادر البحث الخاص بدراسة وتحليل خطاب الراوي في نماذج من الرواية في عُمان، مثَّلت أرضيَّة خصبة ومتنوِّعة لدراسة ظاهرة الراوي ومختلف تقلّباته وأثره في المُنْجَز السردي. كما أنّ هذه الروايات تلتقي في ما عرف بتيار الوعي في السرد الحديث، وبُنيَ السرد في هذه الروايات الثلاث على تقنيات سردية حديثة.
ثمَّ يستنتج المؤلِّف حمود بن حمد الشكيلي بعد دراسة الروايات الثلاث، أنّ الراوي في هذه الروايات لم يتعدَّد من حيث طريقته التي اتَّبعها في سرد الحكاية، إذ إنه برز استخدام ضمير المتكلِّم المشارك، وهي الصورة الأعمُّ في الرواية العُمانية، إلاَّ أنَّ المؤلِّف لاحظ امتداد الصورة النمطية القديمة للراوي في الرواية الكلاسيكية من خلال صورة الراوي العليم في بعض أوراق رواية «همس الجسور».
مع ذلك غاب عن روايتَيْ «الوخز» و«رحلة أبو زيد العُماني» نمط - الشخصية البطل- وهو ما أفرزته الروايات الكلاسيكية، إلا أنَّ الراوي /الشخصية في رواية «الوخز» سعى إلى أن يكون بطل حكايته من خلال علو صوته، ومن خلال علاقته المباشرة بكل ما حكاه، إذ إنَّ الراوي/ الشخصية في هذه الرواية يحتل موقع «الكاتب» و«الصانع»، العالِم بخفايا شخصيات حكايته، وكان دائماً يقطع سير الحكاية بالتعليق عليها وعلى شخوصها.
وفي الخلاصة يقول المؤلف: هل سعى هؤلاء الرواة إلى إفراز حكاية متخيَّلة؟ أم أنَّ الحكاية المتخيَّلة في الروايات فُصِّلت من قبل رواة كادوا ان يوقعوا بفكر القارئ من خلال إيهامه أنَّ المادة المحكية في الروايات الثلاث مادة متخيَّلة، لكن تحليل الرواة أدَّى إلى فضحهم، وفضح ما حاولوا الإيهام به من خلال كونها مادة متخيَّلة؟!
ويجيب المؤلف على هذا السؤال الفخ، بأنَّ المادة المحكية عُرضت من قبل رواة تعاظموا في حضورهم، فصار الخطاب في بعض الروايات أقرب إلى ضربٍ من خطاب خالصٍ عَرَضَ إيديولوجيا الراوي/الشخصية، مثل ما هو حال الراوي الشخصية في رواية «الوخز».

