يسعى كتاب «الحداثة اللامتناهية الشبكية.. آفاق بعـد ما بعد الحداثة.. أزمنة النص ميديا»، للباحث والشاعر اليمني هاني الصلوي إلى بلورة نظرية جديدة ضمن إطار ما يعرف بنظريات بعـد ما بعد الحداثة، تنطلق مما تسميه بـ«لامتناهيات شبكية» تقوم بمناقشة وبالاشتباك مع الكل المحيط معتبرة ما بعد الحداثة مرحلة جديرة بأن يبدأ منها التاريخ بصفتها المرحلة الأخيرة من الكتابية..
وتقوم ضمن ما تقوم عليه من «اللامسلمات» على نسف فكرة موت الإنسان والجغرافية ونهاية التاريخ، مدشنة مرحلة جديدة تعلن موت فكرة الموت ذاتها.
يرى الباحث أن مراحل جديدة انبثقت مع ما بعد الألفية هي أزمنة النص ميديا أو اللاتناهي الشبكي، وهي مراحل دعاها بما بعد الكتابية، حيث انتهت الأزمنة الأسبق لها بحقب ما بعد الحداثة التي يعدها نهاية فاعلة لمرحلة الكتابية غير ان ذلك لا يعني زوال الحقبة الكتابية تماماً.
إذ بقيت وستبقى لانهائيات من رؤاها الفاعلة كما أن وجود أجيال شديدة الحماس للكتابية داخل متواليات الأجد اللامتناهي، أبقى ظلالاً وحيثيات لما قبل بعد ما بعد الحداثة بوصفها لاتناهياً شبكياً الأمر الذي اضطر معه المؤلف إلى تقسيم اللامجتمعات اللامتناهية «والصيغة له» إلى قسمين، أحدهما ما أطلق عليه: المجتمع المعتمد «المجتمع المعتمد على الكتابية وما قبل اللامتناهية»، والآخر: اللامجتمع الافتراضي المحض أو مجتمع المآل.
يجعل الباحث من فترة يسميها «العصر الفائق» القنطرة التي عبرت عليها البشرية إلى الحداثات اللامتناهية الشبكية، وهي فترة تمتد من نهايات الثمانينيات من القرن الماضي..
وتمضي مع سنين قليلة في العقد الأول مما بعد الألفية، وتضم أعلاماً من مثل دوجلاس كلنر وليبوفتسكي وبعض من اهتموا بالمعلوماتية والرقمية إلى جانب جان بودريار الأكثر ارتباكاً وإدراكاً لما يخص ماجد على مستوى انتهاء ما بعد الحداثة ما جعل المؤلف يسم تشظي الفكر الفائق بصدمة بودريار إلى جانب ليندا هتشيون وإيهاب حسن قبلها. ويفرق الكتاب على مستوى سؤال التكنولوجيا ما بين العصر التكنولوجي بما هو سمة لما بعد الحداثة، وما بعد التكنولوجيا بأبعادها اللامتناهية الشبكية.
يشير الباحث إلى أن «الحتمية اللامتناهية الشبكية تشير إلى عدم وجود مفهومين منفصلين ينعت أحدهما بالغـاية والآخر بالوسيلة » الأداة ـ والهدف«..
فالفضاءات التي تمارس فيها الكائنات حيواتها لا تبرز مثل ذلك. ولتجريب هذا الفوهـة يرجع جزء كبير من الالتباس في تحديد مفاهيم الفكر والأدب الرقمي إلى العجز عن إدراك هذه المتماوجة إذ ظلت فكرة الوسيلة/ الأداة والغاية / الهدف ـ عند جماعات ـ مهيمنة على تفكيرها، فالكمبيوتر ـ الكائن البسيط ـ للتشبيه فقط ـ هو أداة كتابة الأدب الرقمي وهو مكان عرضه، إنه وسيلة إذن.
ما يعني أنه كيان محايد ومنطقي والأدب في حقيقته ضد المنطق والسببية، إنها فكرة الوسيط بشحمها ولحمها ودمها. إن الأدب الإلكتروني أو الرقمي وفق ذلك هو ذلك الأدب الذي يكتب بالكمبيوتر ـ الأداة ـ وعبره ويتم عرضه بواسطته، ومن هنا أطلق على عصر ما بعد الحداثة بعصر الإعلام والوسائط.
ويضيف المؤلف: ألحقت اللامتناهية الشبكية الإذلال الأكبر بكبرياء البشرية ـ إذا ما استخدمنا مصطلح سيجموند فرويد في حديثه عن نظريته ـ حيث سحقت كل المفاهيم السابقة والنظريات بحيث يمكن تشبيه الماضي معها بعالم صغير منظور إليه من الأعلى الرحب بسخرية يتخللها الكثير من الشفقة وتقدير مسيرة البشرية والكون.
كل هذا التدمير الذي قامت به هذه الأعاصير اللامتناهية ـ إن جاز لنا ـ أوقع التصنيف »حداثة ـ ما بعد حداثة ـ بعد ما بعد الحداثة« في كثير من الزيف، حيث لا مسلمات يمكن أن تسوغ لنا فعل ذلك ـ وإن كان من المهم دراسة الظاهرة وفق ذلك التصنيف أكاديمياً حتى لا تضيع الفواصل، على الأقل في هذه المرحلة العصيبة.

