يرسم كتاب (من حكايات وأساطير الهنود الحمر) لمؤلفته ماري ل. ماكلوغلين، عبر سبع وثلاثين قصة قصيرة، ملامح فكر شعب بسيط، رزين، ومخلص، يعيش على صلة حميميّة، وصداقة مع العالم الخارجي الذي ندعوه الطبيعة. والهنود الحمر عرق (حسب المؤلفة) غير متفاخر ولا متبجح، يشبه الأطفال، ويستطيع دون خسارة شيء من نبله، أن يحترم أبسط الأشياء، سعياً لسبر معناها..

وتمثل درسها، على حد سواء. من هنا، لا يمكن للحكايات التي يضمها الكتاب، أن تفشل في تقديم المتعة لأطفال أية أمة، من خلال تخيلها الحي للأشياء البسيطة، ولمخلوقات العالم الخارجي الكبير، ولملاحم أعمالها، خاصة وأنها تقدم نظرة حميميّة، لعقلية شعب هو في أكثر مراحل التطور لفتاً للانتباه، رغم أنها تتلاشى الآن بسرعة، وراء سُدم الماضي.

أما مترجم الكتاب نبيل المجلي، فيرى أن ثمة قدرا كبيرا من التجارب العقليّة والعاطفيّة، تشترك فيه البشريّة بكل أعراقها، ذلك لأن الإنسان، بغض النظر عن لغاته وأعراقه وألوان بشرته، يعيش شرطاً بشرياً واحداً، تتجسد فيه، في آن واحد، عظمته وبؤسه.

ويضيف انه من خلال بحثه المتواصل، تحت وطأة الفضول وحب المعرفة، وقع على هذه المجموعة القيّمة من حكايات وأساطير قبيلة من قبائل الهنود الحمر، هي قبيلة السُّو( Sioux ). والمعروف أن السكان الأصليين لأميركا الذين تواضعنا تاريخيّاً على تسميتهم بالهنود الحمر، ينتمون إلى شعوب وقبائل شتى، بينها من الفروق اللغويّة والاجتماعيّة كثير كثير، ومع ذلك فإن ما بينهم من صفات مشتركة، يسمح لنا باعتبار هذه المجموعة من الحكايات والأساطير، عيّنة تمثّل ثقافة وإرث الهنود الحمر عموماً.

القصص القصيرة التي ضمها الكتاب موجهة للأطفال والناشئة، وتلتقي في جانب كبير من مضامينها، مع ما هو سائد في هذا النوع من الأدب العالمي، خاصة لناحية توظيف الحيوانات لتقديم هذه المضامين الهادفة إلى إسعاد الأطفال، وإثارة خيالاتهم، وتنمية مداركهم، وتوجيههم نحو القيم النبيلة والخيّرة، وحضهم على الاجتهاد والعمل ومساعدة الآخرين، وتوثيق ارتباطهم ببيئتهم الطبيعيّة والاجتماعيّة.

من الحيوانات التي وظّفتها قصص المجموعة: الفأر، الأرنب، الحمار، الآيل، الدب، الراكون، السلحفاة، الغراب، الكركي، وهي في مجملها، حملت رموزاً تحض على العمل، وتحارب الكسل واللامبالاة، وتؤكد على الوفاء، وتدعو للسلام والمحبة والتعاون. كما تقدم الحكمة والنصيحة على لــــسان الجد والجدة والشيوخ الكبار.

حملت القصص عوالم واقعيّة ومتخيلة، وأوغلت صوب الأساطير، ومزجت ببراعة بين الهيئات الإنسانيّة والحيوانيّة الواقعيّة والمركبة، وسردت حكايات السحرة والعرافين والجن، وتحدثت عن محاربي قبيلة السُو الشجعان. استنطقت الحيوانات، وأنسنت الطبيعة، بهدف رسم عوالم قادرة على إثراء خيال الطفل، وتطوير معارفه، وغرس القيم النبيلة في نفسه.

وتشير المؤلفة إلى أن القصص التي ضمها الكتاب، رواها لها أكبر رجال ونساء قبيلة السُو سناً، وقد عمدت إلى نشرها، وتوثيقها ضمن كتاب، لاعتقادها أنها كانت ستضيع برحيل الهندي البدائي.

وتؤكد أن نغمات أغنية، أو لحن موسيقى، يأتي إلينا ليلاً، لا يُعطينا فقط متعة التناسق الذي يحمله، وإنما يمنحنا معرفة شخصيّة المغني أو الأداة التي تنبعث منها. ثمة شيء في الموسيقى يخبرنا من دون خطأ بمصدره، وطابع حكايات شعب من الشعوب، يخبرك بمزايا قلب ذلك الشعب. إن نسيج الفكر، بغض النظر عن الشكل أو الطراز، هو ما يخبرنا عن مزية العقل الذي ينبثق عنه. إن حكايات السُو هذه التي رُويت في الأكواخ، وعند نيران مخيمات الماضي، وقرب مواقد داكويتي اليوم، نسيج فكر شعب بسيط، رزين، ومخلص، يعيش على صلة وثيقة مع محيطه.