يُمثّل كتاب «فلاحو سوريا: أبناءُ وجهائهم الريفيين الأقل شأناً وسياساتهم»، للمؤرخ والباحث الراحل حنا بطاطو (1926-2000)، دراسة تاريخية تحليلية الكتاب مركزية لطبيعة السلطة السياسية القائمة في سوريا، عن طريق العودة إلى الجذور التاريخية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية للفئات المشكّلة لها. بما يشمل تسليط الضوء على الجوانب العقائدية والمذهبية لتلك الفئات.

 وفي هذا الكتاب نجح حنا بطاطو في رسم لوحة شاملة لطبيعة النظام السوري وتركيبته وسياساته، وتناول ذلك كله من جوانب وزوايا غير مسبوقة في الدراسات التي تناولت تاريخ سوريا الحديث أو نظام الأسد على وجه الخصوص.

ويأتي الكتاب في خمسة وعشرين فصلا، موزعة على أربعة أقسام، إضافة إلى ملحق وقائمة بالمصادر. وقدّم بطاطو في القسم الأول (4 فصول) «ظروف الفلاحين الاجتماعية والاقتصادية»، عرضا للشروط الاجتماعية والاقتصادية للفلاحين بما في ذلك التمايزات في ما بينهم من حيث العقيدة الدينية والملكية والخلفية التاريخية والارتباط بالأرض والاستعداد للقتال، وغير ذلك من التمايزات التي كان لها شأن في تشكيل وعي الفلاحين وسياستهم.

ويطرح المؤلف في القسم الثاني (6 فصول) «أنماط الوعي والتنظيم والسلوك السياسي الفلاحي قبل البعث»، شارحا أنماط وعي الفلاحين وتنظيمهم وسلوكهم السياسي قبل تسلم حزب البعث السلطة في عام 1963، فيعرض الأشكال المبكرة من التنظيم الحرفي للفلاحين، والأفكار الصوفية والمذهبية التي سادت بينهم..

وثوراتهم وتمرداتهم على الحكم العثماني وفي فترة الانتداب الفرنسي، ومن ثم أشكال الوعي والتنظيم الحديثة، ويعرض تجربة الحزب العربي الاشتراكي بزعامة أكرم الحوراني بوصفه أول حزب فلاحي حديث منظم، وتجربة الشيوعيين والبعثيين.

وفي القسم الثالث :«البعثيّة في جوانبها الريفية والفلاحية»، ينصبّ الاهتمام على الجوانب الريفية والفلاحية في عقيدة حزب البعث وسياساته، بما في ذلك الأصول الريفية لكثيرين ممن انضموا إليه، وأصبحوا قادته في ما بعد، ويبين انقسام التجربة التاريخية لحزب البعث إلى ثلاث مراحل: المرحلة الأولى من البدايات حتى تسلم البعث السلطة في عام 1963، وتمتد بعض خصائصها حتى عام 1966.

والمرحلة الثانية، وهي مرحلة انتقالية تمتد بين حركة 23 فبراير 1966 واستيلاء حافظ الأسد على السلطة في 16 نوفمبر 1970، وتعود بعض خصائص هذه المرحلة إلى عام 1963. أما المرحلة الثالثة فتبدأ باستيلاء حافظ الأسد على السلطة. ويبيّن بطاطو الاختلافات العميقة بين هذه المراحل، ليستنتج أن بعث حافظ الأسد يختلف تماما عن بعث المرحلتين الأولى والثانية، وهو اختلاف يصل إلى حد التناقض أحيانا.

أما الجزء الأكبر من الكتاب، القسم الرابع (12 فصلا) «حافظ الأسد أول حاكم لسوريا من أصول فلاحية»، فيتناول مرحلة حافظ الأسد، الذي يعتبره المؤلف أول حاكم لسوريا من أصل فلاحي. وفيه يعرض للنظام الذي بناه الأسد ومراحله وأزماته والشخصيات والأجهزة السياسية والعسكرية التي شكلت ركائزه وسياسته الداخلية والإقليمية والدولية. ويحلل بنيته الطائفية والعشائرية والمناطقية، ومستويات السلطة، في السياسة العامة للنظام.