يقيم كتاب «دراسات في الحب»، لمؤلفه خوسه أورتِغا إي غاسّيت، مأدبة فلسفية للحب اّلمُفسَّر استناداً إلى بحث سيكولوجي وظاهراتي واجتماعي في آن واحد، لمَّا عُدَّ الاختيار في الحب أحد العوامل الأكثر فعاليةً في التاريخ. إذِ إنَّ الحبَّ والبغض- في نظره- شكلان من أشكال الرَّغبة والشَّهوة أو القوَّة الشَّاهية. فالحب رغبة في شيء حسن، بصفته حسناً.

والبغض رغبة سلبيَّة ونفورٌ من الشَّر بصفته شرَّاً. وهكذا يقول لورنزو: إنَّ الحب شهوةٌ للجمال. وحاول «إسبينوزا» أن يصحِّح هذا الخطأ، فأبعْدَ الشهوات باحثاً في الشعور بالحب والبغض عن قاعدة عاطفيَّة.

فالحب في نظره الفرحُ اُلمقترن بمعرفة سببه؛ والبغض في المقابل، هو الحزن بمعرفة مسبِّبه. فإذا أحببنا شيئاً أو أحداً، فذلك أنْ نكون ببساطة فرِحين ومدركين في آنٍ واحد، أنَّ الفرح يأتينا من هذا الشيء أو هذا الشخص. وهنا نجد مرَّة أخرى، الحب مختلطاً بنتائجه الممكنة. فمن يشكُّ في إمكانيَّة أن يتلقَّى المُحبُّ الفرحَ ممَّن يحبُّ؟

لكن، لا يقلُّ عن ذلك صحَّة عن أنَّ الحبَّ يكون أحياناً حزيناً، حزيناً كالموت وعذاباً كبيراً وقاتلاً. ويرى المؤلِّف أنَّ الرجل الجذَّاب - هنا حالة «دون خوان»- هو الرَّجل الذي تعشقه النسِّاء. لكن، سرعان ما يعترضنا أنَّ كلَّ الرجال الطبيعيين يحصلون على حبِّ امرأةٍ ما، بالتالي، هم جميعاً جذَّابون. والمؤلف يبين أنه يحتاج إلى أن يجيب عن ذلك، أوَّلاً بهذين الأمرين.

الأمر الأوَّل: هو أنَّ الرَّجل الجذَّاب يعشق نساء كثيرات وليس امرأةً واحدة. كم هنَّ؟ لا يهم الإحصاء. لكن الأمر الثَّاني حاسم: إنَّ الرَّجل غيرَ الجذَّاب لا تعشقه أيَّما امرأة. لكن، علينا أن نفهم أنَّ «الكلَّ»، و «اللاشيء» و «كثيرات» و «ولا واحدة» مبالغاتٌ مبسَّطة لا تميل إلى الدِّقَّة. لأنَّ الدِّقَّة في كل من مشاكل الحياة هي أبعد ما تكون عن الصِّحَّة..

وإنَّ التوصيفات الكميَّة تتقلَّص للتعبير عن مواقف نموذجيَّة، وعن الحالات السَّويَّة وذات الغلبة. ولطالما سمعنا القول إنَّ النسِّاء الذَّكيَّات يعشقن الرجِّال الحمقى، والعكس بالعكس، إنَّ الرجِّال الأذكياء يعشقون النسِّاء الحمقاوات. ويضيف الكاتب: لئن سْمعتُ هذا الأمرَ مرَّات كثيرة، فإنيِّ أعترف أنّي لم أؤمن به قط. ولقد وجدت في كل الأحوال التي استطعت الاقتراب فيها..

واستعمال العدسة السيكولوجيَّة المكبرِّة، أنَّ أولئك النسِّاء والرجِّال لم يكونوا في الحقيقة أذكياء، أو العكس صحيح، لم يكن المختارون حمقى. ولئن خلا الحب من أية عمليَّة فكريَّة، فإنَّه يشبه الحجَّة العقليَّة في أنَّه لا ينشأ من لا شيء إذا قلنا هكذا، وإنَّما له «ينبوعه النَّفسي»..

ثمَّ يعتبر غاسيت أنَّ الحب أُطري أكبر إطراء. إذ زيَّنه الشُّعراء دائماً وهذَّبوه بأدواتهم التجميلية.

ثمَّ يخلص المؤلِّف وكمن يتهكَّم، أنَّه لمَّا كان الجنرال الروماني يسهر مسهَّداً كئيباً في حصنه تحت خفق النجوم الغامض، تمثَّلت له - حسب شاتوبريان في كتاب الشهداء- «بيليدا» العرَّافةُ الجميلة التي كانت تحبُّه، شبحاً أثيرياً بناصيتها الطويلة الشقراء..

والمنجل الذَّهبي الطَّقسي، وقالت له: (أتعلم أنّي جنيَّة إذاً)، ينبغي للمرأة أن تبدو للرَّجل، قبل أن تكون أي شيء آخر، مثل بيليدا، جنيَّة وماهيَّة سحريَّة. والحلم يمكن له أن يعيش لحظة واحدة، أو أن لا يموت أبداً. وها الشاعر جوفر روديل: «إنَّ القلب السَّعيد ليس له من حبّ سوى حب تلك التي لم يرها قط»ّ.