يحاول كتاب «البحث عن إبداعات القباني الموسيقية» لمؤلفه عبد الكريم عبد الرحيم، أن يبحث عن أعمال القباني الموسيقية التي غيبها عصر لم تكن فيه آلة تسجيل أو أسطوانة، وغاب عنها التنويط، وكان جلّ ما وصل إلينا عن طريق الرواية، ويبين المؤلف أنه يعود الفضل في المحافظة على ما تبقى من إبداعاته، إلى تلامذته الذين حفظوا أو دونوا أو أملوا ما يحفظون على بعض الباحثين، وفي التسجيلات النادرة التي حصل عليها الكاتب، إذ تعود إلى ما بعد حوالي ثلاثين عاماً من وفاته.

ويؤكد الكتاب أن القباني نابغة الموسيقى في عصره نظماً وتلحيناً وأداء، وهو واحد من أعلام رقص السماح والمهتمين به في سوريا، ورائد المسرح الغنائي العربي بلا منازع، وقد جاء به من الشام إلى مصر. ودرس القباني الموشحات العربية على أيدي نخبة من المبدعين، مثل:

علي حبيب وأحمد عقيل في دمشق وحلب. وراح يبحث في الموروث العربي بين الألحان والموشحات وبين المعاصر منه أيضاً، ويبدو أنه حفظ الكثير من الكلمات والألحان، وقدّمها على مسرحه في دمشق والإسكندرية والقاهرة، وكان إذا لم ترق له كلمات بيت من الأبيات أو جمل من الألحان، يلجأ إلى تلحين جديد، فيعطي الموشح مقاماً وإيقاعاً جديدين.

وفي أحيان أخرى، كان يأخذ من موشح قديم الدور يستعذب لفظه ومعناه فيجعل منه موشحاً جديداً. ووضع عدداً من الموشحات التي تعد أم النغمات العربية، مستفيداً من التراث والمعاصرة ومن اللغتين: التركية والفارسية، ومن علوم اللغة والدين، ومن شاعرية واضحة المعالم، مقدماً عدداً من الموشحات الأصلية لحناً ولغة.

ووجد مؤلف الكتاب خمسة وعشرين موشحاً وأغنية «يا طيرة طيري» مع الكلمات والنوتة، في كتاب «موشحات أحمد أبي خليل القباني»، ويزيد على ذلك خمسة موشحات يقال: إنها تنسب للعلامة الشيخ أحمد أبي خليل القباني، لكنه لم يجد تدوينات موسيقية تحفظ ألحانها من الضياع..

ويعدد منها: «آه وأشواقي لأوقات الوصال، هات يا باهي السناء بالله يا باهي الشيم، بروق مربع النجد، سباني قد بدا باهي المحيا». وعلى منوالها عدّة أعمال، مثل: «صيد العصاري، ويا مسعدك صبحية، يا مال الشام، يا غصن نقا».

ويفيد المؤلف بأنه من المعروف، أن أبا خليل القباني تتلمذ على يد الفنان الحلبي أحمد عقيل« في فن الموشحات ورقص السماح، ومأثرة القباني في رقص السماح كانت في تقديم هذا الفن على المسرح، وإخراجه إلى الناس بأسلوب خلب به عقولهم .إلا أن قيمة القباني الفنية يمكن أن تبرز إذا سلطنا الضوء على دوره كرائد للمسرح الغنائي العربي.

إذ نقرأ في مذكرات مريم سماط التي نشرت في جريدة الأهرام عام 1915، وهي واحدة من جوق القباني: »فاجتهد القباني، ووضع ألحاناً جديدة غاية في الإبداع، فأرسل الشيخ سلامة حجازي، ممدوح رحمي لينضم إلى جوق القباني، ليأخذ الألحان ويعرف ضربها وتوقيعها، فقام بما كلف به قياماً مرضياً«.

كل ذلك جعل كتاب الفنان »محمد كامل الخلعي«، يحفل بشتى نعوت التعظيم والتبجيل لفن القباني وألحانه الجديدة وأدبه، وتناقلت عن كتابه المصادر المختلفة، صورة أبي خليل القباني، وسطر تحتها: »أستاذ التمثيل والموسيقى الشرقية«. ويؤكد ذلك الفنان يوسف وهبي، حين يقول عن القباني: »أعطانا شيئاً لم نكن نعرفه في مصر، وهو الذي قدم وبنى المسرح العربي الأول في مصر هو أبو خليل القباني«.

وحين انعقد المؤتمر العربي الأول في القاهرة عام 1932، كانت ألحان القباني موجودة، فغنى الدرويش والحريري عدداً منها، وحين قدم البارون »دي رلنجر« بحثه في الإيقاعات العربية للمؤتمر استخدم في أمثلته الموسيقية موشحات أبي خليل القباني.

ويسجل رأي هام حديث للباحث جبرائيل سعادة، يقول فيه: »إن أحمد أبا خليل القباني هو عميد الموسيقى في سوريا، ومؤسس المسرح الغنائي في الوطن العربي، فهو علم من أعلام الحضارة العربية الحديثة، وتراثه يحتاج إلى عناية كبيرة".