يرصد كتاب «الفن التشكيلي السوري/ التشخيصيّة» لمؤلفته يارا معلا ملامح، الاتجاه التشخيصي في المحترف السوري المعاصر، وكيف استطاع الفنان السوري أن يطبع التشخيص بطابع فترته في مختلف مراحل تطوره، والأسس التي بنى عبرها رؤيته لهذه التشخيصيّة التي لم تنقطع يوماً عن التجلي في المنجزات الفنيّة، برغم الإشارات النقديّة والإعلاميّة والقطيعة التي حدثت في المنطقة ما بين مراحل التشكيل التشخيصي، والتي ترجع إلى التصورات الغربيّة للفنون التشكيليّة العربيّة في القرن العشرين.

يتألف الكتاب من تقديم وأربعة أبواب وخاتمة وتعريف بالأعلام. في الباب الأول، استعرضت المؤلفة مدلول التشخيص الذي جاء من (الشخص) وهو كل جسم له ارتفاع وظهور، وأكثر ما ظهر في الإنسان وجمعه شخوص وأشخاص. أما التشخيص في الأدب فهو إبراز المعنى المجرد، أو الشيء الجامد كأنه شخص ذو حياة. وشَخّص الشيء عيّنه وميزه مما سواه.

ثم توقفت عند مصادر التشخيصيّة في المحترف السوري، حيث رافقت الصورة الحضارات السوريّة منذ القدم، وكانت رمزيّة معبرة. ثم استعرضت الاستشراق والتشخيصيّة، باعتبار أن فنون الاستشراق أحد المصادر التي استلهمها الفنانون، سواء كان الاستشراق أسلوباً غربياً لفهم الشرق أو أسلوباً للسيطرة عليه..

فإن اكتشاف المادة البصريّة من قبل الفنانين في البلاد، مَثّل مرجعاً حديثاً لإعادة الصلة بفنون التصوير، باعتبارها فنوناً تتضمن قدرة على الاتصال بالحياة وتمثيلها في العمل الفني، وبخاصة المواضيع المستمدة من فنون الشكل، وعلى رأسها الموضوعات التشخيصيّة التي تبرز الإنسان، رجلاً كان أو امرأة، في إطار السحر الشرقي الذي تُبرزه الألوان والأضواء والدفء.

أما الباب الثاني فكرسته المؤلفة للأشكال في التشخيصيّة، فتوقفت عند التشخيص في الايقونة التي حملت ألواناً بسيطة وجميلة، وشكّلت رسالة تعليميّة صامتة، وعظة بلغة سهلة للمؤمن الآمن. ثم تحدثت عن التشخيص والفنون الإسلاميّة، حيث نجح الفنان العربي المسلم، وبشكل فطري وطبيعي في استيعاب الحضارات والفنون الوافدة إليه، ومن ثم أعاد صياغتها بما يتلاءم مع طبيعته وبيئته ومعتقده الجديد.

وعقبها، تثير المؤلفة إشكاليّة التحريم، حيث لا تزال الساحة الفنيّة العربيّة والإسلاميّة (ومنها المحترف السوري)، تعاني من حالات التجاذب والتنافر في الأفكار المتعلقة بجواز التصوير والتشخيص، ولم يقتصر الأمر على تجارب الفنانين وحسب، وإنما امتد ليشمل الجوانب الأكاديميّة والتربويّة وانعكاساتها على الرأي العام في المجتمع، ما أظهر تراجعاً في كثير من المواقف المعاصرة تجاه الفنون التشكيليّة.

والباب الثالث كرسته المؤلفة للموضوع في التشخيصيّة، فتحدثت عن المرأة في النحت والتصوير الشعبي السوري، ثم تناولت موضوع التشخيصيّة والحريّة، حيث شكّل الموقف الإنساني مادة الفن الأساسيّة لدى مختلف الشعوب، وفي سوريا كغيرها من البلدان، سعى الفن التشكيلي للتعبير عن هذه التطلعات.

ثم انتقلت للحديث عن التشخيصيّة والبيئة، على اعتبار أن الفن يرتبط بالبيئة ارتباطاً وثيقاً، على اختلاف فهمنا وتعريفنا لمصطلح البيئة الذي يُشير إلى مجال واسع الدلالات، وبخاصة الإحالة إلى خيال وثقافة المجتمع الذي يقوم بإنتاج الفن.

وفي الباب الرابع من الكتاب، تناولت المؤلفة موضوع المذاهب في التشخيصيّة، فتحدثت عن التشخيصيّة التعبيريّة في المحترف السوري التي جاءت نفياً للابتـــــعاد عن التشكيلات الواقعيّة المحكيّة، والتوازنات التي فرصتها القيم الاتباعيّة المنشودة، والتي تعتمد الموضوعيّة في التصوير والتلوين. ثم توقفت عند التشخيصيّة التكعيبيّة، حيث استفاد المحترف السوري من الانقلابات التي جرت في سير تطور المذاهب الفنيّة في أوروبا، وبخاصة التكعيبيّة.

بعدها تحدثت عن التشخيصيّة الانطباعيّة التي يمثلها الفنان ميشيل كرشة، فهو أحد روادها في التشكيل السوري المعاصر، إن لم يكن رائدها الأول الوفي لتفاصيلها. كما تطرقت الى التشخيصيّة الواقعيّة التي تميزت بامتدادها العميق في تاريخ الفن الإنساني، برصدها للحياة، وتسجيل الحوادث اليوميّة والمشاهدات الواقعيّة. وفي النهاية، تُشير المؤلفة إلى التشخيصيّة المحدثة التي تجاوزت التشخيصيّة التقليديّة التي ارتبطت بالرواد، وذلك لصالح تشخيصيّة مستقلة ترتبط بصاحبها دون غيره.