ينحاز كتاب« المسلمون بين التقريب والوحدة والفتنة »، لمؤلفه: الراحل العلامة السيد هاني فحص، الى القلة التي لا تزال تؤمن بالحوار سبيلا الى التفاهم بين المذاهب والديانات، وتعمل على ترسيخ دعائمه . فالتحديات التي يفرضها الواقع العربي المزري، وما يشهده من انهيار وانقسامات وتفكك وتجزئة، وسط صراع دامٍ بين مكوناته، كشفت عن هشاشة في تركيبة الأنظمة، القائم معظمها على بنى استبدادية، قمعية.

وهذا يستدعي برأي العلامة الراحل، طروحات عملية، تؤسس لمجتمع معافى..مجتمع يتلاقى أبناؤه على التفاهم في ما بينهم، يدينون بالولاء لدولة مستقلة، تتمتع بسلطة مركزية، تعمل على تحقيق طموحات شعبها، موفرة لهم سبل العيش الرغيد في ظل قانون يضمن الحريات ويقيم العدل والحق.

لا يكف المؤلف في معظم فصول الكتاب، عن التنبيه الى مخاطر الفتنة، وتحديدا الفتنة السنية – الشيعية، مشددا في محطات أبحاثه ومضامينها التفصيلية، على ضرورة العمل لخلق أُطر حوارية، تؤسس للتماهي والتفاهم وتحدد أسباب الانقسامات ومخاطر تأسيس الصراع. وينهي الراحل هاني فحص، فصول الكتاب بإعادة نشر مقابلتين صحافيتين، اجريتا معه، كانتا قد نُشرتا في : جريدة «الوطن» الكويتية وجريدة «الرأي العام ».

لا يتردد فحص في كتابه، في أن يؤكد أهمية المكاشفة والمصارحة، حتى لا تذهب العرب الى مزيد من التجزئة والاحتراب والاستنجاد بالخصوم والأعداء كمقدمة «لإحكام القبضة والاستحواذ، وتجديد وتشديد الرهن على مقتنياتنا وثرواتنا ».

 وما يعيب حركة الحوار بين المذاهب وداخل المذهب الواحد، من وجهة نظر العلامة الراحل، تحديدا على المستوى الإسلامي، اقتصاره على اللقاءات الموسمية وتحولها «محطات عابرة بين حدث سياسي وحدث آخر، بين خطر واحتمال خطر آخر »، ذلك من دون أن تراكم علما ومعرفة واعترافا متبادلا وتعارفا وتثاقفا عميقا.

ويرى مؤلف الكتاب، أن علامات الضعف هي نفسها في حوار المسلمين بين بعضهم البعض، وبينهم وبين المسيحيين. ففي حين يذهب المسلمون اليه فرادى ويعودون فرادى، تحفظ المؤسسات الكنسية جهود المحاورين المسيحيين وتوظفها في مزيد من المعرفة واستشراف المستقبل.

وينتقد الدعوات الرامية الى توحيد جميع المذاهب الفقهية والعقدية، قسريا، في مذهب واحد، لأن تحقيق ذلك يستجلب أنهارا من الدم ودورات عنف متجددة، علاوة على ما يتبع ذلك من إلغاء للخصوصيات وإعدام للهوية وتعطيل لديناميات الفكر والإبداع والاجتهاد.

ويرى المؤلف أن الحل يكون بالتعاطي مع الجماعات المذهبية بعيدا عن محدداتها العقائدية، أي انثروبولوجيا، وعلى هذا الأساس يمكن قبول الآخر كما هو، والحوار معه من أجل توسيع المشترك وتضييق الخلاف. وهذا ترجيح للحياة والعيش المشترك والعلاقة الإنسانية، على القطيعة والموت والحرب باسم الدين أو المذهب.

ويعيد الراحل هاني فحص في كتابه، سبب ما وصل اليه العرب من تشرذم وتردٍّ، الى تخلفهم بُعيد سقوط الدولة العثمانية، عن انجاز دول تحفظ الأصالة والحداثة وتحترم الديانات الاخرى..

وكذا تلتزم بالديمقراطية والتعددية.. وتؤمن باستقلال السلطات وتحفظ حقوق الافراد والجماعات على أساس المواطنة، بعيدا عن الحسابات الطائفية والمذهبية. ولم يتم، من وجهة نظره، انجاز الدولة الموعودة، وبذا تحولت السلطة الى تسلط، فصُودر دور الدولة وألغيت جميع مكوناتها الاجتماعية وذُكي الصراع، فتشعبت الشعوب وانقسمت.

وفي تقديره ان المطلوب والممكن، هو التوحيد السلس والعلمي والديمقراطي لمجتمعاتنا الوطنية، كل في وطنه، ليصار لاحقا، الى البحث عن صيغ تضامنية وتكاملية، استنادا الى نظام المصالح المتبادلة بين الأقطار الإسلامية والعربي .