يُركّز كتاب «حياة الفكر في العالم الجديد» لمؤلفه د.زكي نجيب محمود، على الفكر والثقافة في بلدان أميركا الشمالية والجنوبية. إذ سرعان ما تميز هذا العالم الجديد بطابعه الخاص الجديد، بل أصبح هذا الطابع هو معيار لقياس ما يرد إليهم من فكر، فيقبل هذا ويرفض ذاك. ويرى محمود أن هذا الطابع المميز لهم هو تلك «الفردية الجماعية» التي تعطي للفرد خصوصيته، وللجماعة حقوقها، في تناغم لا تعارض.

ويبين انه بدا الفكر الأميركي في العشر سنوات الأخيرة من القرن الـ18، سياسيا يدور حول حقوق الأفراد الطبيعية. وجاءت فلسفة التنوير في حينه مؤيدة لهذا المبدأ، وأن أساس المجتمع هو التعاقد بين أعضاء المجتمع معاً.

وفي النصف الأول من القرن الـ19، انتقلت الفردية من ميدان السياسة إلى ميدان الفلسفة والأدب. وجاء من يؤكد على استقلال الفرد على الرغم من صلاته ببقية أفراد المجتمع. وسادت الفلسفة الهيغيلية المثالية التي جاءت من إنجلترا، إلا أنها أخذت الشكل الأميركي بحيث لم يعد الفرد هو في المطلق، بل هو ممثل لذلك المطلق. أي أن كل فرد حقيقة قائمة بذاتها، وفي الوقت نفسه ينوب عن كل الإنسانية، باعتماد الفرد على نفسه، وهو ما انتهى إلى ضرورة اعتماد الولايات المتحدة الأميركية على نفسها كدولة وأمة.

وهو بالضبط ما جعلهم يرفضون الفلسفة المثالية الألمانية، تلك التي تدعو إلى الروح الكونية المطلقة، بل احتفظوا للأفراد بفرديتهم وهي المعبرة عن تلك الروح الكونية الشاملة من مشاعر وعواطف واحتياجات. وخلص فلاسفة أميركا إلى أنه يبقى على كيان الفرد الواحد من جهة، ثم يجعله جزءاً شريكاً في البناء الكلي من جهة أخرى.

أما وقد ظهرت الفلسفة البراغماتية في أواخر القرن الـ19، وامتدت إلى اليوم، إذ يصفها الكاتب بأنها تعد ثورة على التفكير المثالي الذي يباعد بين الفكر والعمل. جاءت البراغماتية وجعلت العمل والفكر وجهين لعملة واحدة..

 كونها جعلت معنى فكرة ما هو نجاح تطبيق تلك الفكرة في الواقع المعاش والسلوك اليومي. وبتلك الرؤية الفكرية والمذهب البراغماتي وصل الفكر الأميركي الخالص إلى فلسفة خالصة، إن كان الفلاسفة يأخذون من أوروبا في البداية، تحولت إلى أميركية الرؤية والتطبيق، وتعبر عن أميركا والاميركي الفرد أصدق تعبير. وتحددت التيارات الفكرية والرؤى الفلسفية من بعد تحطم التقليد الفلسفي بتحطم الفلسفة المثالية التقليدية. وعلى يد البراغماتيين جرى هذا التحطيم، وهو ما مهد إلى نمط جديد من التيارات الفكرية، فخرجت مذاهب واتجاهات جديدة، ليس فيها الجلال التفكيري التقليدي القديم.

وتميزت تلك التيارات الفكرية بالروح العلمية، وتشبه الفلاسفة بالعلماء في مجال العلوم الطبيعية والفيزيائية وغيرها، في طريقة معالجتهم للمشاكل. فبدل من قيام الفيلسوف ببناء صرحه الفكري وحده، تتشكل المجموعات من المفكرين لدراسة مشكلة ما. ونتيجة تلك الطريقة الجديدة في التفكير والتناول، ظهرت: «الواقعية الجديدة»، «الواقعية النقدية»، «الفلسفة الطبيعية»، وغيرها.