يطلعنا كتاب «محمد الفراتي..مأخوذا بالوردة والسيف»، الذي قدم له الدكتور حسين جمعة على حياة «محمد الفراتي» شاعر الفرات، واختار بعضاً من شعره الدكتور شاهر امرير فضمنها هذا الكتاب.
ويبين الكتاب أن اسمه محمد بن عطا الله بن محمود بن عبود، واشتهر بلقب «الفراتي» منذ أن كان يدرس في الجامع الأزهر. وولد الفراتي في مدينة دير الزور عام 1890، لأب فقير يعمل حجاراً، وفقد أمه وهو صغير، ثم تعلّم في كتاتيب دير الزور .. ثم ما لبث أن انتقل إلى حلب عام 1908، ودخل مدرسة «العريان» فاستكمل فيها علوم العربية والدين، ثم التحق عام 1911 بجامعة الأزهر..
وتخرج فيها مجازاً بالإفتاء والتدريس. وكانت قد جمعت بينه وبين طه حسين وزكي المبارك وغيرهما زمالة الدراسة. وفي هذا الوقت تعرّف في مقهى العجمي إلى الشعراء: أحمد شوقي وحافظ إبراهيم من مصر، وخليل مطران من لبنان، وعبد المحسن الكاظمي من العراق، وفي هذه المرحلة تفجرّت شاعريته، وكانت باكورة قصائده قصيدة أرسلها إلى والده في دير الزور، وملأها بالشوق والحنين والتعلق بالوطن الذي كان يراه في صحوه ونومه وغدوه ورواحه، يقول الشاعر:
هبَّّت من الزور ري نشرها عَبّق
في طيّ أردانها المنشور عن وطني
ولم يغادر الفراتي مصر من دون أن تكون له مشاركة أولية في معاناة أبنائها إبان اندلاع الحرب الأولى. فمزج حديثه عن هذه المعاناة بحنينه إلى اهله ووطنه، فصور الحنين تتكئ على واقع مشحون بالآلام، وهي آلام أضافت إليها عناصر عدّة من بينها الإدهاش والسحر، وممّا قاله في هذا الشأن، قصيدته التي ألقاها في حفل دار الأوبرا المصرية، ومنها :
لعمرك ما أدري وإني لصابر
متى ينجلي هذا الشقاء المحتــم
إن إيمان الفراتي بعروبته هو إيمان متجذر لديه، قولاً وفعلاً، فعندما دعته ثورة مصر 1919، لبى الدعوة بالانضمام إليها.
وانشغل الفراتي بقضايا بلاده حتى صار علماً من أعلام الكفاح الوطني، في الوقت الذي كان مشغولاً بالهمّ القومي فهو يعيش حياته يحلم بتحقيق الوحدة العربية.
وفضح أساليب الانتداب على سوريا، فضيّقت فرنسا عليه وسرحته من الوظيفة، وعملت على اعتقاله فهرب إلى العراق، ومن منفاه القسري راح يطالب سلطان باشا الأطرش، قائد الثورة، المضي قدماً بالمجاهدين حتى يتحقق الاستقلال:
سلطان لا توهن قواك جموعهم
فلقد عهدتك في الخطوب صليبا
ارتحل بعد ذلك إلى البحرين فأمضى فيها نحو ثلاث سنوات، وعاد بعدها إلى دير الزور، ثم إلى دمشق ليستقر فيها معلماً، وكان في ساعات فراغه وانقطاعه عن العمل يفضل الجلوس في مقهى «الحجاز». وعيّن في قسم الترجمة بوزارة الثقافة، من عام 1959 حتى عام 1974، فترجم خلالها روائع الأدب الفارسي، ثم أعفي بعد ذلك من منصبه نظراً لكبر سنه.ولما أتاه الأجل فارق بلده فراقاً أبدياً في 11/6/1978، وشيعته جموع دير الزور وأولاده، وفي عام 2007 أقامت وزارة الثقافة له ندوة تكريمية شارك فيها عدد من الأصدقاء والباحثين.
