يدعو كتاب «الإسلام وعلمانية الدولة»، للباحث السوداني د.عبد الله أحمد النعيم، إلى موازنة الدين والعلمانية عن طريق فصل الإسلام عن الدولة مع تنظيم دور الدين في السياسة، بدل التضاد الحاد بين الدين والعلمانية الذي يعزل الإسلام ويحصره في المجال الفردي الخاص..
ويرى الباحث أن هذه النظرة تجمع بين تتابع التسلسل المادي التنظيمي في المجتمعات الإسلامية وإصلاح وأقلمة هذه التقاليد حتى تمثل الاحتمالات المعاصرة والمستقبلية لهذه المجتمعات، مؤكداً أن جدليته تحديداً هي أنه ليس هناك شيء «غير إسلامي» فيما يتعلق بمفهوم الدولة المدنية كإطار ضروري لمفاوضة الدور الطبيعي والشرعي للإسلام في الحياة العامة، فالقرآن الكريم يخاطب المسلمين كأفراد وكمجتمع، من دون حتى ذكر فكرة الدولة ومن دون وصف شكل معين لها.
ويوضح المؤلف: «من وجهة نظر تاريخية كانت حكومة المدينة المنورة في زمن النبي عليه الصلاة والسلام، بطبيعة الحال نموذجا ملهما للقيم التي أن يسعى المسلمون لأجلها، في الحكم الذاتي والشفافية والمحاسبة العامة، لكن تلك التجربة لا يجب نقاشها كنموذج للدولة الإسلامية التي يستطيع المسلمون استنساخها بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام..
على مدى التاريخ الإسلامي كانت الدولة دوما مؤسسة سياسية وليست دينية، رغم أنها لم تستوف ـ طبعا ـ نموذج الدولة المدنية. إن التجربة التاريخية للمجتمعات الإسلامية عموما كانت واحدة من عمليات التمايز بين السلطتين الدينية والسياسية، سعى الحكام للحيازة على دعم الفقهاء والقيادات الدينية ليضفوا شرعية على سلطتهم السياسية، لكن السلطات الدينية ما كان بإمكانها أن تضفي تلك الشرعية لو نظر الشعب لها كظلال للدولة».
ويتعرض الباحث لحالات الهند وتركيا وإندونيسيا والسودان، مؤكدا أن التأملات تكشف «أن الدور الاجتماعي للدين تتم مفاوضته وإعادة مفاوضته بصورة متواصلة بين المشاركين المختلفين، بما ان هذه العملية عميقة في سياقيتها، برغم ذلك، فإن الدور المعقد للدين في الحياة السياسية لأي مجتمع يجب فهمه في أطره المعرفية والسياسية والثقافية الخاصة. استعمال مصطلحات كعلمانية الدولة وعلمنة المجتمع قد يكون محبذا في تمييز المناهج المختلفة للدور الاجتماعي للدين، لكن مثل هذه المصطلحات لا يمكن أن تكون بديلا للتحليل السياقي العميق لكل ظرف بمصطلحاته الخاصة».
