يعرض كتاب «طَبائِع الاستِبدَاد ومَصَارعُ الاستِعبَاد»، للمفكر العربي عبد الرحمن الكواكبي، الذي أصدرته مكتبة الإسكندرية في طبعة جديدة، في إطار مشروع (إعادة إصدار مختارات من التراث الإسلامي الحديث في القرنين الثالث عشر والرابع عشر الهجريين/التاسع عشر والعشرين الميلاديين).

لما تضمنه هذا الكتاب المهم في المكتبة العربية، من تفاصيل معمقة تشرح الاستبداد وتحكي عن أسبابه وتفصل في نتائجه ومخاطره. ويبين الكتاب في ما أرفق ضمنه من تقديم وتفصيل عن مؤلفه وعن حلب في تلك الآونة التي ألف بها الكتاب، يبين أنه ولد عبد الرحمن الكواكبي في 14 شوال 1271ه – 9 يوليو 1854م في حلب..

وكانت حلب وقت ولادة الكواكبي مركز ولاية عثمانية مسماة باسمها يقطنها حوالي مئة ألف من السكان ثلثاهم من المسلمين، والباقي من المسيحيين واليهود، ويتحدث أهلها العربية المختلطة ببعض الألفاظ التركية، مع معرفة البعض منهم للفارسية، وإن كان لأهلها عاداتهم وتقاليدهم الشرقية، إلا أن العادات والتقاليد الغربية كانت قد بدأت في التسرب إلى بعضهم خاصة الذين خالطوا الأجانب المقيمين بها..

والذين كان أغلبيتهم من الفرنسيين والإيطاليين، إذ كانت حلب مركزاً تجارياً عظيماً، وكان لذلك أثر كبير على الكواكبي، فتعلم التركية والعربية والفارسية قبل بلوغه العاشرة من عمره. وكان تكوين عبدالرحمن الكواكبي تكويناً دينياً تقليدياً لكنه ذو أفق واسع إذ أتيح له تعلم ثلاث لغات..

إضافة إلى العلوم الدينية، كما أنه ألم بثقافة حديثة من خلال مطالعته للآراء والأفكار الغربية وأفكار الأتراك المطالبين بالحرية والدستور عن طريق الصحف التركية. كما عاصر الكواكبي عدداً من مفكري وأدباء حلب الكبار، منهم جبرائيل دلال وميخائيل صقال وكامل الغزي الذي كان من أقرب أصدقاء الكواكبي.

ويُمثّل كتاب «طبائع الاستبداد ومصارع الاستبداد» أحد أبرز المساهمات الأولى، في رصد الجذور التاريخية لأزمة الحرية والديمقراطية في الوجدان العربي، وعنوانه من أجمل العناوين وأكثرها دلالة في الفكر العربي الحديث والمعاصر، وهو يتجه مباشرة نحو الموضوع، ويجمع بين النظر والعمل، بين البحث عن طبائع الاستبداد والبحث عن مصارع الاستعباد (أي طرق التخلص منه)، كما أنه بحث الكاتب هو في الجذور والطبائع أكثر منه بحثاً في الظروف السياسية والاجتماعية والاقتصادية.

وفي مقدمة الكتاب، يحدد الكواكبي عناصر دراسته للاستبداد، وهي تعريف وتشخيص الاستبداد، سببه، أعراضه، إنذاره، ودواؤه. ووفقاً لهذه العناصر يمكننا أن نرى أهم أفكار الكتاب الذي جاء في أسلوب الاقتضاب شكلاً وموضوعاً. ويُنسب للكواكبي الفضل الأكبر في تحليل وتفصيل قضية الاستبداد من خلال هذا الكتاب، على أجندة البحث في الفكر العربي والإسلامي.

 كما أن الكواكبي هو رائد القائلين بمبدأ فصل الدين عن الدولة على صعيد الأئمة والكتاب المسلمين، فلم يبرز أي كاتب مسلم قبله قال بضرورة الفصل بين السلطتين الدينية والسياسية، ما يرجح الاستنتاج بأن الكواكبي هو الذي شق هذه الطريق الطويلة الشاقة.

ولم يتوان الكواكبي عن تسمية الأمور بمسمياتها في كتابه. إذ شرح تفاصيل الاستبداد وتكويناته، مشيراً إلى الظروف والعوامل التي تعززه. كما لفت إلى انه من اكبر معوقات التقدم والانفتاح في المجتمعات. ويمثل العلة الكبيرة التي تقضي على أية افق وئام أو انفتاح فيها.