يؤكد كتاب «ديوان ابن الفارض.. قراءات لنصه عبر التاريخ»، للمستشرق الإيطالي الأب د.جوزيبي سكاتولين في مقدمته، أن التسمية التقليدية المشهورة لابن الفارض «سلطان العاشقين» لا تعبر عن عمق تجربته الصوفية وأبعادها البعيدة. ويقول: «إنما ابن الفارض في رأينا هو شاعر (الأنا الجمعي) الذي يجد حقيقة ذاته في الاندماج التام مع الحقيقة العليا التي هي في الاصطلاح الصوفي «النور المحمدي»..

أو «الحقيقة المحمدية» أو «الإنسان الكامل»، فليس وصف الحب والجمال في شعر ابن الفارض إلا جزءاً محدوداً ومرحلة عابرة في سفره الصوفي الذي يهدف إلى آفاق أعلى وأوسع، ألا وهي «بحار الجمع»، أي تلك الحقيقة النورانية العليا التي هي مصدر الكل ومرجع الكل».

الكتاب يضم ديوان ابن الفارض. ويمثل دراسة دلالية مهمة تشكل مراجعة لبعض الأحكام الموروثة على أشعار ابن الفارض ومعناها الصوفي. على الرغم من أن سكاتولين يرى «أن المعاني الصوفية لا تتأتى من خلال بحث علمي بحت فقط، حتى وإن كان له دور لا غنى عنه، وذلك أن معاناة الصوفي في عمق لا تعبر عنه الكلمة الملفوظة، وأشار ابن الفارض إلى ذلك الإشكال حيث يقول:

فألسن من يدعى بألسن شاعر

وإن عبرت كل العبارات كلت».

ولفت سكاتولين إلى أن الصعوبة التي يلقاها القارئ في فهم التجربة الصوفية التي عبر عنها ابن الفارض في شعره، وخاصة تائيته الكبرى، ترجع في الغالب إلى غموض مدلولات ألفاظها وعباراتها.

وأضاف: "لذلك رأينا أن الخطوة الأولى التي لا بد منها في دراسة نص أدبي مثل التائية الكبرى، هي توضيح مدلولات ألفاظ نصها كما ترد في سياقه أو قل (شرح النص بالنص عينه) قبل اللجوء إلى عبارات ومفاهيم غريبة عنه أو أجنبية عليه قد تشوش على القارئ مفاهيم النص الأصلية..

وهذا مما يعاب على الكثير من الشروح والدراسات في ديوان ابن الفارض قديمها وحديثها. ولقد رأينا أن المنهج الدلالي هو أنسب وسيلة إلى هدفنا هذا، فنظن أننا من خلال تطبيقه قد توصلنا إلى بعض النتائج التي لها أهمية بالغة في توضيح مدلولات ألفاظ قصيدته التائية الكبرى وفهم التجربة الصوفية عند ابن الفارض".

وأوضح سكاتولين أن دراسته الدلالية كشفت له أن التجربة الصوفية عند ابن الفارض تنقسم إلى ثلاث مراحل أساسية، الأولى: الفرق: في هذه المرحلة يصف الشاعر الصوفي حالة التفرقة والتمييز عن محبوبته التي يخاطبها هو بلغة حب عميقة واسعة. والثانية: الاتحاد وفي هذه المرحلة يصف الشاعر حالة الوحدة بينه وبين حبيبته. والثالثة: الجمع: أما في هذه المرحلة فالشاعر يصف حالة الوحدة والاندماج بين ذاته هو وكل الموجودات.

وبين سكاتولين أن الدراسات الصوفية تتطلب من المهتم بها الكثير من الصفاء الروحي والنقاء النفسي حتى يتجانس الباحث مع الشاعر الصوفي فيدرك مقاصده البعيدة بذوق مرهف لطيف.

وفي حديثه عن ابن الفارض حياته وتجربته الصوفية، أضاف «سكاتولين» أن ابن الفارض لم يكن مجهولا في الأوساط الصوفية وغير الصوفية أيضاً، عربية أم غير عربية، فهو علم من أعلام التصوف الإسلامي، ويكاد وحده الملقب بسلطان العاشقين، مثله في الانفراد كمثل محي الدين بن عربي الذي لقب بسلطان العارفين علماً وحكمة وتجربة استثنائية متفردة.