يوجِّه كتاب «المثقَّف الشيوعي تحت ظلال الاحتلال ــ التجربة العراقية»، لمؤلفه الباحث والروائي العراقي سلام عبود، تهماً عديدة للشيوعيين العراقيين، منها: الخيانة.
إذ لم يكد يمضي عامٌ واحد على الاحتلال حتى وجدنا قيادات الشيوعيين التقليدية لا تكتفي بالمشاركة الفعلية في الحكم تحت قيادة الحاكم الأميركي، بل راحت تتصدَّر قائمة مهنئي بوش وبلير على تحرير العراق، ولم تبقِ معهما غازياً، من دون أن تشكره:
إنَّ أرواح الجنود الأميركيين والبريطانيين والإيطاليين والكوريين والبوليفيين والإسبانيين والأوكرانيين والبولونيين واليابانيين والأستراليين والحلفاء الآخرين، ستبقى حيَّة بيننا تشهد على أمثولة التعاضد والمساندة بين البشر الذين يعون أنَّ الكوكب الأرضي وطنٌ واحد... (بيان المثقفين العراقيين2-7-2004). ومن ثمَّ كان دخول الشيوعيين مجلس الحكم، وتسلمهم حقائب وزارية..
وصعود عضوين منهم إلى مجلس الشعب، على أنَّ هذه تعدُّ نصراً تكتيكياً ظاهرياً مؤقتاً، سرعان ما وجدوا أنفسهم مجرَّدين منه، عراة، يصارعون منفردين، من دون نصير أو معين. وهذا يعني أنَّ ضياع صوت اليسار واحد من النتائج الطبيعية لسياسة الاحتلال عامة، ولعدم قدرة مثقَّفي هذا التيار على لعب دور وطني واجتماعي متميِّز، يمنحهم الحق في الوجود والاستمرار والرقي.
وهذا يعني في ما يعنيه انحسار دور التيارات الاشتراكية والديمقراطية، وإفقارٌ خطير للواقع السياسي والاجتماعي والثقافي، لا يقلُّ خطورة عن غزو الوطن وتمزيق أوصاله ونهب ثرواته.
وهنا وجد الشيوعيون أنفسهم، فجأة، أمام صيغة للحكم ومعادلة سياسية قاتلوا منذ نشأتهم ضدها: الاحتلال والطائفية والعرقية. ولم يتوقف الأمر عند قبول وابتلاع هذا العظم السام، غير القابل للبلع والهضم، لكنهم وجدوا أنهم مقبولون ممن كانوا يرفضونه ويصنفونه على أنَّه العدو الأكبر..
وتلك هي الصدمة المثيرة، ووجدوا أنَّ قبولهم غير المتوقع وغير المنطقي ضمن تشكيلة الاحتلال الحاكمة والرسمية، جاء بناء على أساس واحد: إخراجهم من جوهرهم الأيديولوجي وصفتهم الأساسية التي تميزهم: علمانيتهم وأمميتهم وطبقيتهم.
إذ قبلوا تحت واجهة طائفية وضمن سياسة المحاصصة، باعتبارهم جزءاً من مكوِّن طائفي محدد. واستقبلت قيادات الشيوعيين، لحسابات نفعية، كل تلك الصدمات بارتياح، وابتلعت منغصاتها وتعارضاتها برحابة صدر وسعادة وهي تتمتع بأفضليات ونِعَم السلطة الجديدة- أفضل السيئات.
لكن الشيوعي الفرد وقع في صدام عنيف مع ذاته، ومع تاريخه، وماضيه وشعاراته واقتناعاته. أما المثقَّف فوجد نفسه يواجه مواجهة سافرة، عدائية، كل حرف كتبه، وكل كلمة نطقها قبل لحظة الصدمة والترويع. ماذا سيفعل الشاعر بدواوينه الثورية؟
ماذا يفعل الباحث في الشؤون السياسية بتنظيراته التقدمية؟ ماذا يفعل الروائي بأبطاله المعذبين؟ ماذا يفعلون بفهد وسلام عادل و«أبو كاطع» وغيرهم؟ في أيِّ متحفٍ سيتمُّ وضعهم؟ هذا السؤال كان صدمة المثقَّف الشيوعي الكبرى الإضافية، في زمنٍ صدمَ الجميع بواقعه العجائبي، العصيب.
وفي الخيانة ذاتها يرى المؤلِّف سلام عبود أنَّ التعارض بين الكلمة ومدلولها أخذ مسارات عظيمة الشذوذ، لم يشهدها تاريخ العراق من قبل، وربما لم يشهدها مجتمع آخر قط. ويسري هذا الأمر ليس على الدلالات الفلسفية والفكرية والسياسية فحسب، بل رأيناه يغزو بقوة حتى التعابير اليومية البسيطة، الخالية من التأويل الفكري.
ويشير المؤلِّف بعد ذلك، إلى أنَّه خلال سنوات الاحتلال تسارعت عمليات تهديم الإرث الشيوعي التاريخي بوتائر عالية جداً، بيد أنَّ هذا التهديم لم يرافقه ظهور أفكار جديدة أو ممارسات بديلة خاصة.
ويذكِّرنـأنَّه في إيـــــطاليا الـــفاشية، انخرط عدد من المثقفين في عمل دؤوب، مع أو ضدّ النظام، لكنَّهم أنتجوا أدباً وفناً رفيعين، ولعلَّ أحداً لا يصدِّق أنَّ امبرتو إيكو كان من أصحاب القمصان السود (كان عمره أحد عشر عاماً حين فقد موسوليني سيطرته، وثلاثة عشر لما سقط موسوليني)، لكنَّه نجا بفعل عمق ثقافته.

