يحاول كتاب «مفهوم الدولة الإسلامية، أزمة الأسس وحتمية الحداثة»، لمؤلفه امحمد جبرون، أن يقدم مساهمة في النقاش العام في شأن هذه الفكرة، محاولاً استنباط مفاهيم وأصولاً قادرة على التكيف مع متطلبات التحديث السياسي، كالبيعة والعدل والمعروف، وأن تكون بديلاً تاريخياً من «دولة العصبية» التي انتهى زمانها، ومن الدولة الحديثة التي نشأت تحت رعاية الاستعمار.

وتتمحور هذا القضية حسب ما يرى المؤلف، حول جملة من الأسئلة، أهمها: هل الدولة الحالية التي تؤطر الفعالية الحضارية للأمة دولة إسلامية؟

إن الدولة الإسلامية، بحسب جبرون، ليست دولة الخلافة وليست دولة سلطانية، وليست دولة شريعة، إنما هي «دولة الوقت»، أي أنها أحد تطبيقات الدولة – الأمة في العالم المعاصر.

ويرى المؤلف أن أصل الخلل في تصور إسلامية الدولة يكمن في منهج قراءة الإسلاميين للنص الشرعي (القرآن والسنة)، والذي يعطي الأولوية للجزئيات على الكليات، وللأحكام بدل الحكم.

 وسعى الكتاب لتجاوز هذا الخلل عن طريق السعي نحو تحرير النص الشرعي من التاريخ وآثار الثقافة العالقة بالفهم الموروث. ويرى الكتاب في فصله الأول: الإسلام وأصول الحكم، أنه من الممكن..

وعبر إعمال هذا المنهج في النص الشرعي، استنباط ثلاثة مبادئ كلية تشكل أساس وصف الإسلامية: البيعة (التعاقد) والعدل والمعروف. وبذا بات مفهوم الدولة الإسلامية مفهوماً جاذباً للحداثة بعد أن كان نافياً لها بإلحاحه على التطابق مع التاريخ. ويرى المؤلف كذلك، أن الدولة الإسلامية بمختلف مراحلها، كانت محاولة لتنزيل هذه المبادئ وفق المتاح التاريخي.

وفي الفصل الثاني والمعنون بـ«دولة الراشدين وأرخنة الأصول»، وضح الكاتب أن دولة الخلفاء الراشدين، وفيما يتعلق بتنزيل مبادئ الإسلامية، نجحت إلى حد ما، في تثبيت سلطة الأمة في تعيين الخلفاء. وكذلك بإقرار قدر مهم من العدل.

ويحمل الفصل الثالث عنوان: دولة العصبية: الإسلام السياسي والتاريخي، ويوضح فيه المؤلف أن المخاض التاريخي العسير ما بين العامين 36 و41 ت ـ للهجرة ..

ـ والذي أدّى إلى ولادة دولة العصبية، كان بمثابة التأسيس الثاني للدولة الإسلامية، بعد الأول في سقيفة بني ساعدة، وفي تلك المرحلة اكتسبت الدولة الإسلامية نظريتها السياسية والتاريخية التي استمرت حتى مشارف العصر الحديث.

وانتقلت في هذه المرحلة، البيعة من كونها حقاً للأمة في عهد الخلفاء الراشدين، إلى حق عصبي تمارسه عصبية الدولة وباقي الأمة تابعة لها، من دون أن تفقد البيعة صدقيتها. وبالنسبة للعدالة، فعرفت ازدهاراً كبيراً.

وفي الفصل الرابع: الدولة الإسلامية.. أزمة الأسس وحتمية الحداثة، يستعرض الكتاب كيف كانت الدولة العصبية في بدايات العصر الحديث تمر بأزمة قادتها نحو الضعف بسبب المساس بأسس (البيعة، العدل، المعروف).

وأدت هذه الأزمة إلى تبلور أسس الحداثة السياسية وإلى وجود إحساس بالحاجة إلى الدولة ـ الأمة، وأفصح الفكر الإصلاحي عن هذا ومهّد له ثقافياً وسياسياً، غير أن بطء تحول دولة العصبية والتدخل الاستعماري، حالا دون ولادة دولة الأمة - الدولة ولادة طبيعية، الأمر الذي تسبب للدولة الوليدة بمشكلة مع السياق فباتت كمؤسسة وتنظيمات سابقة لواقعها وغير مفهومة في نطاقه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، وكذلك سببت لها أزمة شرعية أخلاقية بسبب انقطاعها عن الحركة الإصلاحية التي أخصبت التاريخ والمجتمع وهيأتهما لحمل الدولة - الأمّة، واستقبالها.