يتابع كتاب «في مواجهة الطائفيّة»، لمؤلفه سركيس أبو زيد، إرساء تصور متقدم لمفهوم الدولة، وتحديداً دولة القانون والعدالة والمساواة على أسس تفترض نظاماً مدنياً لا يخضع لإملاءات الطوائف ولا للمحاصصات المذهبية. ونتبين ان المؤلف يركز على هذه الجوانب بتحليلات وابحاث موسعة، ذلك حتى وإن كانت قراءته في هذا الخصوص تتخذ من لبنان نموذجاً، باعتبار ان التمثيل الطائفي فيه ميزة الحكم..

حيث تُظهر بوضوح تبعاته على كافة المستويات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأمنية، منذ الاستقلال وحتى يومنا الحاضر. ويشدد المؤلف على ان التطيف حالة مستمرة تنسحب تبعاته على مُعظم دول المنطقة، وذلك بفعل جملة عوامل واعتبارات، وكذا تنسحب وتتجسد مؤثرة حتى في نشأة كيانات اجتماعية منعزلة ومتناحرة، حيث يحرك الدين العصبيات المذهبية والطائفية ويحدد انتماءات الجماعات إلى الدولة.

يعطي المؤلف في المقدمة، توصيفاً للطائفية في لبنان، فاللبناني يولد بهوية طائفية ويمضي حياته مُجاهدا في هيكلها، وعلى أساسها ترتسم حياته في المدرسة والبيت والوظيفة، وهي تتلبس اللبنانيين بلباس يشمل كافة نواحي الحياة، فتحولُ دون تواصلهم وتفاعلهم الحر في ما بينهم. ومن هذا المنطلق، يوضح المؤلف ان بناء الدولة العادلة، المنفتحة، يتطلب برأيه، تحريرها اولا من إرهاصات الطوائف ..

ومن التفاهة التي تغرق اللبنانيين في جحيم أتونها وبانتقالهم من شعب موسوم بالطائفية، إلى شعب ينشد المواطنة، ويعمل على تثبيتها عبر سبر أغوار الطريق إلى إسقاط النظام الطائفي.

يتتبع المؤلف في محطات عديدة، وضمن مساقات متنوعة يناقشها، خفوت وتصاعد وتيرة الطائفية في لبنان، واستعار نارها وقوة تأثيرها. ونجده يحيل فعلها وأسبابها إلى أسباب داخلية لها علاقة بتركيبة لبنان السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتربوية. وكذلك إلى مجموعة اسباب خارجية لها علاقة بالصراع العربي الاسرائيلي وبتنامي التيارات السلفية في المنطقة، فضلا عن التدخلات الدولية وتفاعلاتها.

ويتحول أبو زيد، عقبها، إلى طرق مسألة مهمة، مرتبطة بهذا الشأن، إذ يعرض للحالة الطائفية والمذهبية المزرية في لبنان، وانعكاساتها السلبية على كافة المستويات، ويتساءل عن امكانية إيجاد السبل الناجعة للخروج من مأزقها المتنامي.

وهو لذلك يدعو إلى اعتماد خارطة طريق لإلغاء الطائفية تبدأ بتوحد القوى العلمانية اللاطائفية «في كتلة تاريخية وطنية مدنية واعية ومناضلة لها مؤسسات نموذجية يُقتدى بها وقادرة على تغيير النظام أولا، وبناء مُجتمع مدني وإنسان جديد، يُغيران النصوص والنفوس معاً».

وفي مداخلة له حول وسائل الإعلام اللبنانية والنظام الطائفي، يميز ابو زيد بين الإعلامين. فالإعلام الديني مُنحاز وينمي المناخ الطائفي ويحول دون قيام حوار بين مختلف المذاهب والأديان، وهو صورة عن النظام وتركيبته الطائفية.

كما لا يُسقط المؤلف تهمة الطائفية عن الإعلام اللبناني ككل، وهذا ما يلحظه المتابعون لوسائل الاعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، حيث لكل منها هويتها الطائفية.

ويخلص المؤلف إلى جملة استنتاجات وحقائق، لكنه يعود فيؤكد على أن المطلوب برأيه، حد أدنى من الرقابة ومن تدخل الدولة، على ان يكون البديل وجود إعلام رسمي، يهتم بأكثر القضايا الثقافية وبإنتاج برامج توعية مدنية تُعلي من شأن الحوار بين مكونات البلد المختلفة. وإلى ذلك فهو يدعو إلى تطوير القوانين اللبنانية، وايجاد قضاء يتدخل لردع السياسيين ووسائل الإعلام عن التحريض الطائفي والإثارة المذهبية.

والخلل من وجهة نظر المؤلف، كامن في تشرذم العلمانيين واللاطائفيين، وأيضا، بتراجع حضورهم، إضافة إلى شبه غياب للحياة النقابية، وللمثقف وتراجعه عن دوره النقدي. وهو بناء على هذا الواقع، يجد أنه تدعو الحاجة إلى إعلامي مُثقف، ينبّه من أجل تكوين رأي علماني، رأي عام لا طائفي، مطلوب منه ان يؤدي هذا الدور قبل أن تأكل الطوائف والحروب الأهلية المستمرة البلد.