يمثل عنوان كتاب «لا إمام سوى العقل»، لحبيب السروري، عبارة مقتطفة من بيت شعري لأبي العلاء المعري، شاءها الكاتب عنواناً لكتابه، الذي استهلّه بعنوان: «في مديح رأس أبي العلاء»، تحية لهذا المبدع الخالد الذي حزّ الظلاميون رأس تمثاله في المعرّة.
يستلهم الكاتب آراء أبي العلاء التنويرية، وتحديداً ما ورد في كتابيه «رسالة الغفران» و«اللزوميات»، من أفكار اعتبرها مفتاحاً لعصر العقل والحداثة الذي أخفته قرون الانحطاط التي تلت عصره، معتمداً على البرهان المنطقي والتحليل العقلي، ناسفاً بذلك كل مسلمات الظلاميين التي تمنع التفكير وتضمن البقاء في عصور الانحطاط. فهو «لم يوارب يوماً في جدله مع الفكر الظلامي. أفكاره ديناميت ينسف مداميك ذلك الفكر بشكل لا نفاق فيه أو مساومة».
تدور فصول الكتاب حول سبعة محاور (الإنسان، الدين، التعليم، اللغة العربية والإنترنت، قراءات تراثيّة، الربيع العربي، العلمانية)، وجميعها تصب في مشروع واحد: « لا إمام سوى العقل »، حسب تعبير الشاعر والفيلسوف أبي العلاء المعرّي.
ويرى المؤلف أن غياب عقلية النقد والنفي والرفض في ثقافتنا، يفسر هذا التراجع والانحدار من قمة الحضارة التي بلغها العرب في العصور الوسطى إلى مدارك الحضيض، آخذاً على ثقافتنا اكتفاءها بثقافة الـ «نعم »البليدة، التي اعتادها العرب من دون تمحيص أو برهان، فتلاميذ مدارسنا لم ينشأوا على ثقافة الشك والنقد والرفض، وعلى ثقافة العقل المبنية على التساؤل والتحليل المستقل عن أية مسلّمة غيبيّة يلزم الإيمان بها مسبقاً.
ويكفي في ثقافة الـ «نعم »، حسب المؤلف، أن يمتلك الإنسان عقلية الخروف، ويزدرد من دون عسر هضم، المسلمات الغيبية الجاهزة، ليؤمن بها بلا نقاش، أو أن يبذل أي مجهود أو وقت. هكذا يجد نفسه صاغراً، طائعاً، مستسلماً للقوى الظلامية التي تلجأ إلى تكفير وتعنيف كل من لا يأخذ بمسلماتهم الإيمانية.
يُعيد الكاتب أسباب تخلفنا إلى بنية التعليم العربي التي ترسخ أن نعيش حياة الاستهلاك والتقوقع، ولا دور للعقل ولا للنقد والجدل والرفض.
ويدعو الكاتب في هذا السياق إلى ضرورة العمل على بناء قاعدة معرفية تحتية، تفصل بين العلوم الدينية الثابتة والعلوم الصنعية. ويرسم خريطة مأساوية لخواء حضور اللغة العربية في الزمن الرقمي، وتخلفها عن البدء ببناء قاعدة تحتيّة لحضورها عبر الإنترنت، أسوة بما توصلت إليه الدول المتقدمة في هذا المجال.
ويقدِّم المؤلف اقتراحات وحلولاً ثلاثة، يضعها برسم المؤسسات الثقافية والتعليمية، والحكومات العربية وجامعة الدول العربية. فيدعو أولاً إلى الاستفادة من التجربة الصينية في الترجمة المستندة إلى تقنيات العصر الرقمي، وصولاً إلى ترجمة ما يُعادل عشرة آلاف كتاب سنوياً، على أن يرفق هذا المجهود بمسابقات ومكافآت، وأيضاً أن توضع الكتب المترجمة في بوابات الإنترنت لتصبح متاحة للجميع.
وثاني الحلول: فتح مسابقات للمدرسين الجامعيين داخل العالم العربي وخارجه، بحيث تختار عروضها لجان تحكيم متخصصة. وأما ثالث الحلول فيقضي بإكمال بناء تحتي للغة العربية على الإنترنت.
ويختم الكاتب بحثه، بنقد موضوعي للتضليلات التي يواجه بها السلفيون مفهوم العلمنة، داعياً إلى الفصل بين الدين والدولة، مُتخذاً من بيت أبي العلاء المعري منطلقاً لتعزيز مفاهيمه: «اثنان أهل الأرض: ذو عقل بلا دين، وآخرُ ديّنٌ لا عقل له».

