يؤكد كتاب «مقدمة في نظرية الأدب»، لمؤلفه د. عبد المنعم تليمة، أنَّه ورغم كون الأساس المادي الاقتصادي هو الأصل في بناء المجتمع.. وهو المفسِّر لظواهره الثقافية، ومع ذلك فإنَّه لا يجوز تفسير الثقافة بذلك الأساس تفسيراً ميكانيكياً ضيِّقاً. فحياة المجتمع من الخصوبة والغنى بحيث لا يمكن ردُّ صورها الثقافية إلى العامل الاقتصادي وحده، إذ يتضمَّن كل شكل من أشكال التعبير الثقافي جوانب فردية وعناصر ذاتية ومبادرات إنسانية خلَّاقة، تجعل منه ظاهرة مركَّبة معقَّدة، وتجعل تفسيره بعامل واحد تبسيطاً مجافياً للعلم.
وتتبدى صلة البشر الجمالية بعالمهم في كل وجه من وجوه النشاط الإنساني. وهذه الصلة تبلغ أرفع صورها في شكل محدَّد من أشكال الثقافة والوعي الاجتماعي وهو الفن. لكن الأدب ـ من بين الفنون، لا يتَّصل في منشأ محاولاته الأولى وتطورها المبكِّر بالتجريب، إنما يتَّصل بالتجريد..
ويرتد ذلك في المقام الأوَّل إلى اختلاف أداته (اللّغة) عن أدوات الفنون الأخرى. وللفنون كلها ومن بينها الأدب ـ خصائصها المشتركة ـ باعتبارها نشاطاً إنسانياً نوعياً واحداً له حقائقه من حيث عملية الإبداع، وله آثاره من حيث الوظيفة الاجتماعية.
أما أداة الأدب ـ اللّغة ـ فهي أعظم أدوات الإنسان في تعامله مع عالمه وفي السيطرة عليه، لكنها ليست أداة عمل كأدوات الإنتاج، إنما هي أداة أعم، تقف وراء العمل الاجتماعي كله، ووجودها شرطُ قيام المجتمع، وهي ليست نتاجاً طبيعياً بل هي نتاج اجتماعي يمثل تطور صلة الإنسان بعالمه الاجتماعي وعلاقاته. ومن هنا تتخذ صلة أداة الأدب بالعمل الاجتماعي سمات خاصة تتحدَّد في ضوئها طبيعتها.
كما أنَّ تطور هذه الأداة من النافع إلى الجميل، من مجرد (تسمية) الأشياء إلى القدرة على تكوين المفهوم والتعميم والتجريد والرمز يتخذ شكلاً خاصاً. ولم يتضح للغة بُعدها الفني، إلا بمرور ملايين من السنين من التجربة الروحية والاجتماعية والمعاناة الذهنية والجمالية.. ومن النضج النفسي والعضوي للإنسان.
وكان تطور اللّغة عبر ذلك كله، يمثِّل واحدة من أمجد الحقائق في تاريخ البشرية. ثمَّ يتحدَّث د- عبد المنعم تليمة في موضوع البناء اللغوي للغة، ويعتبر أنَّه ينهض على وحدات أوَّلية، هي الوحدات الصوتية، التي لا يزيد عددها في أيِّ لغة من اللغات على بضع عشرات. والوحدة الصوتية، أو الصوت اللغوي «الفونيم» لا معنى له وحده، إنما هي الوحدة الأساسية الصغرى التي تُبنى منها الكلمات.
ومع ذلك، كما يوضح المؤلف، فإنَّ العالم ليس لغةً، كما أنه ليس عقلاً.. إنما هو وجودٌ موضوعي قائم خارج وعي البشر به، وسابق على هذا الوعي.. واللّغة ـ أية لغة، إنما تنقل وعي الجماعة ـ صاحبة هذه اللّغة ـ بهذا العالم ومعرفتها به وخبرتها فيه. ويتبدَّى هذا النقل في صيغ رياضية وتأملية وعلمية، وهذه الصيغ يمكن للجماعات البشرية الأخرى فهمها إذا نقلت إلى لغاتها.
أما الصيغة الأدبية القائمة على البعد الفني للغةِ الجماعة فليست كتلك الصيغ في سهولة فهمها من الجماعات البشرية الأخرى، لأنَّ هذا البعد الفني هو في حقيقته طرائق التفكير الرمزي وأساليبه، وهي تختلف من جماعة بشرية إلى جماعة بشرية أخرى. لذلك فإنَّ أدب كل جماعة ـ لنقل كل مجتمع، إنما يعكس بشكل خاص علاقة هذه الجماعة بعالمها الطبيعي والاجتماعي، بما تتضمَّنه هذه العلاقة من عمل اجتماعي وتجربة روحية ومثّلٍ أخلاقي أعلى.
ينتقل بعد ذلك تليمة، إلى الطقوس السحرية عند العشائر الطوْطمية والمجتمعات البدائية عامة، ويرى أنَّها لم تبعد عن التكنيك البدائي والممارسات العملية في حياة تلك المجتمعات.. ويصل الى توضيح أن العمل الاجتماعي بأدواته وخبراته وعلاقاته، خلق طاقتي التجريد والتعميم في الإنسان.. ثمَّ يستنتج المؤلِّف أنَّ الفن البدائي كان ذا مضمون أسطوري، إذ كان يعكس علاقةً سحريةً أسطوريةً بالعالم..
ولما كانت تلك العلاقة قائمة على نسق الواقع التجريبي والاجتماعي، فإنَّ ذلك المضمون كان (اجتماعياً) في حقيقته. فإذا كان الأساس في مضامين الفنون البدائية هو التعميم الرمزي - إن جاز هذا التعبير، للواقع التجريبي والاجتماعي، فإنَّ أشكال تلك الفنون ارتبطت إلى حدٍّ بعيد بالوسائل والأدوات والأساليب والخامات التي عرفها ذلك الواقع التجريبي البدائي نفسه.

