تزامن كتاب «الإسلام وحركة التحرر العربي»، لمؤلفه المفكر الراحل منح الصلح، تكريماً له وتقديراً لطروحاته الفكرية والقومية، مع رحيله وطبيعة الأحداث التي تمر بها المنطقة. فعلى الرغم من مضي سنوات طويلة على نشر فصول هذا الكتاب، فإن القضايا التي قرأ طالعها لا تزال إلى اليوم، هم الباحثين ومحور دراساتهم.
ويأتي نشره في هذا الظرف القاتم، الذي يعيش عالمنا العربي تداعياته الخطيرة، لنكشف عن صدق التصورات التي عرض لها في سياق متابعاته لقضايا الصراع في الشرق الأوسط.
تمحورت نصوص الكتاب حول مناهضة الاستعمار في بلادنا وفي العالم الثالث، وحول دور الإسلام وعلاقته بالتحرر العربي، وصولاً إلى مفاهيم حول العلمانية العربية.
يرى الصلح في التحرك الإيراني باتجاه العراق وشط العرب أو الخليج العربي، منتهى العداء للأمة العربية. وتفوق بذلك على الحكم البهلوي أيام الشاه.
ويأخذ على القوى المعادية للأمة العربية اجتراحها لكل أنواع المظالم التي تتنافى مع الحقائق الإنسانية الرائعة. وهذا ما يظهر في ما تقوم به تلك القوى العالمية لتكسب شرعية لحربها المقدسة ضد ما تسميه الإرهاب العربي. وهدف القوى المعادية من كل ذلك، كما يقول الكاتب «تشويه الموقف العربي لأخذ الحق المعنوي في المضي بالتنكيل بالعرب وإذلالهم وتشريدهم ونهب أموالهم، بل ونزع الهوية العربية،عن أجزاء مُتزايدة من وطنهم».
ويُشدد الباحث الراحل، على أن اشتداد الخلافات بين القوى المعادية لقضايا العروبة من إيران إلى إسرئيل فأميركا، يهدف إلى ترسيخ «الكبوة القومية التي يعيشها العرب»، وبالتالي انتهاز الفرصة «لكسب مواقع جغرافية وديموغرافية واقتصادية».
ويأخذ على الدور الإيراني ميله إلى إبراز عظمة التاريخ الفارسي السابق للإسلام، وتمتعه بصفات خاصة ومميزة، واجتهاده «لبتر الأواصر العربية الإيرانية التي خلفها الإسلام» باعتبار أن الإسلام نفسه كان خطوة إلى الوراء.
وإزاء هذه الارتكابات الإيرانية، فليس أمام الأنظمة العربية، إلا الوقوف على أحد أمرين، كما يرى المؤلف:
التخلي عن إيران أو العودة إلى المنطق القومي الذي يضعها حكماً في مواجهة الحكم الايراني.
-المضي في سياسة الممالأة والتضامن السافر والفظ مع إيران، وما يستدعيه ذلك من تنكر، وعدم الانضواء تحت عباءة الإسلام. ويميل الباحث إلى الاعتقاد بأن الرجعية العربية حطّت من شأن الإسلام والأخوة الإسلامية، عندما صورت «أن الرجعية هي الدين، وأن التقدمية هي الكفر»، هادفة بذلك إلى تعطيل الوظيفة التاريخية للإسلام باعتباره قوة لا بد منها للحفاظ على الشخصية القومية والتراث، في مواجهة الإمبريالية والصهيونية المعادية.
ويخلص إلى القول: «إن لا عروبة ولا تقدمية أصيلة من دون نظرة إيجابية إلى الإسلام كدين وحضارة، ولا ثورة». كما يؤكد أنه «لا سبيل إلى أي نصر حقيقي على الذات وعلى الآخرين من دون التفاعل التام والخير مع الإسلام وطاقاته الغنية».
وفي موقف متقدم له من العلمانية، يرى الراحل الصلح، أن بذورها الأولى في المجتمع العربي ترافقت مع النشأة الأولى للفكرة القومية، مُعيداً الفضل في تعريف العالم العربي بها إلى رفاعة الطهطاوي في مؤلفه «تخليص الإبريز في تلخيص باريز».
ويوضح في هذا الشأن أن استجرار العلمانية الغربية إلى بلادنا، لم يُراعِ طبيعة المجتمع العربي وخصوصيته، ومصلحته، فتحولت «مجرد ثوب مُستعار استحسناه على جسد سوانا فأقبلنا على لبسه فرحين». ويأخذ على الأحزاب الشعوبية في البلاد العربية تبنيها للعلمانية على نحو مشبوه، خدمة لمصالحها، جاعلة من لفظة العلمانية «راية البغضاء تشهرها أقليات مظلومة في حربها مع أكثرية ظالمة». وعوض أن تعمل هذه الأحزاب على توظيف مفاهيم العلمانية، خدمة للعامة وانقلاباً على الفقر والجهل والمرض والاستبداد والتخلف، تحولت إلى «سعي غير منتج غايته الثأر من بعض التقاليد». وانتهى الأمر بها إلى معاداة الرسالة التاريخية للأمة العربية والتنكر لتجاربها في الفكر والروح.

