يحلّل كتاب «داعش عودة الجهاديين»، لمؤلفه الصحافي باتريك كوكبيرن، «ترجمة ميشلين حبيب»، الأحداث المتسارعة التي مكّنت الجهاديين، من جبهة النصرة والقاعدة السيطرة على مناطق واسعة من سوريا والعراق، من عوامل التموضع والحضور القويين.. وهو لا يكتفي بالتوصيف البانورامي لتنامي الأحداث الناجمة عن الحرب الدائرة في هذين البلدين بشكل مُحايد، عملاً بالمهنية التي يتبعها، عادة، الصحافي في توصيفه للحدث، بل يدخل في قراءة نقدية لها.

يرى المؤلف في مقدمة كتابه، أن التطورات الحاصلة في الشرق الاوسط، لن تبقى أسيرة الحيز الجغرافي، الذي يشهد تفجيرات دموية شرسة، إذ من المؤكد أن رقعتها ستتوسع.. وهذا ما اتضح للمراقبين والسياسيين الغربيين، الذين صدموا بهول الاحداث وسرعة تحولاتها ونتائجها المدمرة وتأثيراتها المخيفة والرهيبة على الجميع.

ويوضح المؤلف ان ما شهده العراق في الفترة الاخيرة، لم يكن حدثا عابرا. ذلك بعد تمكن المجاهدين المتطرفين من بلورة هويتهم بسرعة قياسية أذهلت الجميع. ويُرجع ذلك الى الثورة السورية التي مهدت للمتطرفين إحياء تجمعاتهم وتنظيماتهم المسلحة، وسط حاضنة شعبية مؤيدة لهم.

ان تفاقم الفساد في العراق لم يكن وليد ساعته كما يؤكد المؤلف، ونجم في البداية عن امور عدة، أبرزها: عقوبات الأمم المتحدة إبان حكم صدام حسين التي دمرت المجتمع العراقي، الغزو الاميركي الذي دمر الدولة العراقية عقب سنة 2003، سياسة المالكي التي أعادت الاعتبارات للمحسوبية استنادا الى الحزب أو الاسرة أو الطائفة.. وتحديد أهلية الحصول على الوظائف استناداً الى هذه المعايير. وهذا ما ساهم أكثر في التهميش السياسي والاقتصادي اللاحق بالمجتمع السني، حسب المؤلف، والذي بدأ بعد سقوط صدام حسين.

يميل الكاتب في سياق عرضه للتحولات التي أنهت شطرا من الثورة الثورية ورمت به في أحضان الجهاديين الاسلاميين، الى بدايات تلمس هؤلاء مكونا خاصا بهم، عبر إجهاض الثورة والعمل على التلاعب بها من الداخل. ويدرج أعمال الاعتقال والتصفيات الجسدية للناشطين والمتحدثين باسم الثورة السورية في أولويات عملها.

وعلى خلفية ذلك، جاء من قبلهم اختطاف الناشطة في مجال حقوق الانسان رزان زيتونة وزوجها وائل حمادة، واثنين من الناشطين في مجال الحقوق المدنية: المحامية سميرة الخليل والشاعر ناظم حمادي، واختفاء اثرهم مذاك.

ويُعيد الكاتب حالة الانحطاط السائدة في الثورة السورية الى الانقسامات السياسية والدينية والاقتصادية العميقة التي سادت قبل العام 2011، ليزيد التدخل الخارجي من تفاقم خطرها. فالثورة السورية التي حلم مناصروها الاوائل بالقضاء على الاستبداد وإحلال دولة علمانية غير طائفية، أُجهضت بعد ان غرقت سوريا في حرب اهلية طائفية مروعة.

والحكومة فيها طرف فاعل، تقصف قواتها المدن بالنار والبارود، وكأنها ارض عدوّة. والمقاتلون السلفيون والجهاديون يشنعون ويمارسون أبشع الجرائم في حق الانسانية. وإزاء هذه المفارقة لم يعد امام السوريين الاّ الخيار بين امرين أحلاهما مر: إما أن يختاروا بين نظام ديكتاتوري عنيف، أو بين مُعارضة تبرع في التفنن بأعمال القتل وتمارس دناءاتها السافرة من دون أي رادع إنساني أو ديني أو أخلاقي.