يتناول كتاب «خالد الساعي»، لمؤلفته الباحثة الألمانيّة كارين أدريان فون روكس، المتخصصة في الفنون الإسلاميّة والعربيّة المعاصرة، في كتابها (خالد الساعي) تجربة هذا الفنان التشكيلي السوري الحروفي الذي درس فن الرسم والتصوير، في كلية الفنون الجميلة بجامعة دمشق، وتوجه بعد مغادرته محترفاتها، لإنتاج اللوحة الحروفيّة الخاصة به.
تقول الباحثة فون روكس، إن روعة الخط العربي، اجتذبت الفنان الساعي منذ نعومة أظفاره، ولسنوات طويلة، انهمك بدراسة الخط العربي، خاصة على يد الدكتور علي ألب أرسلان في اسطنبول. وترى أنه لم يكن ممكناً ضمان الوضوح والجمال في الخط العربي إلا بتطوير منهج مناسب، وضع أسسه في القرن العاشر الوزير ابن مقلة، ثم قام ابن البواب بتجميل وتطوير قواعده الهندسيّة، إذ حدد حرف الألف بوصفه وحدة قياس تفرعت إلى ستة أساليب أساسيّة، أو ستة أقلام، انسلت منها أساليب أخرى.
وتشير الباحثة فون روكس إلى أن مسيرة الفنان خالد الساعي تمثلت في نسخه لنصوص كثيرة لجلال الرومي، وخطه لقصائد معاصرة، من بينها 60 عملاً مكرساً لأبيات الشاعر الفلسطيني محمود درويش، وسعى الفنان الساعي في أعماله كافةً، للخروج من طرز الخط التقليدي، وإدراك المعاني العميقة للقصائد، الأمر الذي قاده إلى خلق صلة دقيقة بين أشكاله والمخيلة البصريّة.
وتؤكد الباحثة فون روكس أن الفنان الساعي لا يكتب حروفه وكلماته بخط مستقيم، وهو لا يُجمّعها في خط أفقي، كما هو سائد، بل يخطها كما لو أنه في فضاء تخيلي. وحروفه إما متقاربة، أو مرصوفة فوق أو تحت بعضها البعض: متعانقة، أو متواشجة على شكل متاهة، وتبدو أحياناً كأنها ترقص على وقع موسيقى، وفق إيقاع بطيء، أو جامحة. وتارةً أخرى، تبقى معلقة في الفضاء، أو تنداح من أعلى الهاوية كما تنداح الشلالات.
وابتكر الفنان الساعي أسلوبه الحروفي الخاص به، ومضى إلى حد أبعد، عندما ألقى نظرة من الخارج إلى الداخل. إلى ذاته، ومن تعرفه على ذاته، انتقل ليتشرب الحكمة فيبدع أولى لوحاته ..وصولاً إلى وضعه لنظرية فنيّة خاصة به يختزلها: «يسحرني رد فعل حواسنا المختلفة على أساليب الفن وطريقة ارتباطها وتحاورها. يدعونا الشكل الجميل إلى التحدث، وتُنشّط الكلمات المكتوبة ذهننا، فتقودنا إلى عوالم خياليّة.. فن الخط هو بالنسبة لي الأسلوب الفني الذي يسمح لي بإلغاء الفروق بين الفنون الجميلة والانطباعات الحسيّة».
