يتناول كتاب «تاريخ سوريا الحديث عهد حافظ الأسد 1971 ــ 2000»، لمؤلفه هاشم عثمان، مجريات المرحلة الأسدية بكل تفصيلاتها السياسية والاقتصادية والأمنية والأدبية، مستندا في بحثه الى أرشيف واسع من الصحف والمجلات ووقائع المؤتمرات والندوات ومذكرات المسؤولين ومقابلاتهم، وعدد من الكتب والوثائق التي تناولت مرحلة حُكم الأسد الأب.

يُشكل محتوى الكتاب مادة دسمة للباحثين وكتّاب التاريخ، فهو يُغطي مساحة زمنية مفصلية من تاريخ سوريا والمنطقة العربية، يستعيدها الكاتب، عارضا وموثقا لليوميات السورية بكل تشعباتها، وواقفا على انجازات عهود الأسد الخمسة، فمُستطلعا الغث والسمين من عهود تلك المرحلة، التي انقضت بحكم المشيئة الإلهية في 10 حزيران، بوفاة الأسد، بعد صراع طويل مع مرض سرطان الدم .

ان الكاتب وعملاً بالموضوعية التي تُحتم على كُتاب التاريخ الالتزام بأصولها، قدّم بحثه مُوثقا فصوله بالمراجع والوقائع والتواريخ والأسماء، ساعيا إلى أن لاّ يسقط في القراءة التحليلية والنقدية، التي تُفقده مصداقيته، كذلك نجده يتحول في توالي فصوله الى قراءة انطباعية تعكس مواقف كاتبها ورؤيته الخاصة.

وهكذا، يمكن الوقوف في هذا الكتاب، على ما كان يدور في كواليس السياسة السورية، وأروقة المؤتمرات والسفارات. إذ إننا نجد الكاتب ينقل التداعيات الحرجة لأعمال القمع والاغتيالات والتصفيات، والخلفيات السياسية الحديدية، التي كان يتبعها الأسد مع خصومه المحليين والعرب.

فيكشف، بشكل موثق، مآثر الأسد في حربه على المعارضة السورية من اليساريين والناشطين في المجتمع المدني والاخوان المسلمين. ويستعرض تدخله المشبوه في الحرب اللبنانية، التي لم يكف عن تأجيج نارها. وذلك وصولا الى مروحة تحالفاته، التي كانت تُذكيها رغبة دفينة لإبقاء الورقة اللبنانية والفلسطينية طوع يديه.

ويرى المؤرخ أن سلبيات حكم الأسد، ليست بالضرورة نتاج سياسة خاطئة النهج وحسب، ذلك «لأن المسؤول عنها أجهزة الدولة، وقد تكون هذه الأجهزة لاتنقل له حقيقة ما يجري». وتتمثل هذه السلبيات بالفساد، الذي فتك بإدارات الدولة ووزاراتها وكافة مؤسساتها المدنية والعسكرية. فأصبح القادة والمسؤولون والقياديون الحزبيون من اصحاب الرساميل الطائلة ومالكي القصور والعقارات.

ومن ظواهر الفساد، يذكر مؤلف الكتاب، ظاهرة المرافقين وظاهرة المرسيدس، حتى «أطلق الناس على حزب البعث، من باب التندر، حزب المرسيدس».

وفي حديثه عن ظاهرة ابناء المسؤولين، يوضح الكاتب استئثار هؤلاء بالمال والسلطة وانحرافهم الى تعاطي المحرمات والممنوعات، وممارستهم لأعمال البلطجة والتهريب وفرض الخوات.

ويلفت عثمان الى ظاهرة التقديس، التي تجلت في العديد من الأعمال، عبر إقامة التماثيل ورفع الشعارات واللافتات التي تحمل عبارات التقديس والتمجيد لـ :«باني سوريا الحديثة» و«القائد الخالد» و«بطل تشرين» و«سوريا الأسد».

كما يتطرق الكتاب إلى ظاهرة انتشار الرشوة وتفشيها في عهد البعث، حتى بات كل شيء يُشترى بالمال، ذلك من القبول في الوظائف الى أسئلة الأمتحانات في الجامعات.

وتناول عثمان ظاهرة الغش وهدر المال العام عبر إنشاء مشاريع وهمية، ترتب أموالا طائلة على خزينة الدولة. ويتوقف عند الإجراءات القمعية بحق الناشطين السياسيين، والرقابة على الصحف والمجلات والكتب، ومصادرة الحريات، وتوقيف الناس واعتقالهم، وتزوير الانتخابات وممارسة الضغوط والتهديد على المرشحين غير البعثيين وحملهم على سحب ترشيحهم.

المؤلف في سطور

 هاشم عثمان. كاتب وباحث سوري. من مواليد اللاذقية في سوريا. يحمل شهادة عالية في القانون. صدر له: بدوي الجبل، آثار وقصائد مجهولة، الأحزاب السياسية في سوريا: السرية والعلنية، المحاكمات السياسية في سوريا.