يرى كتاب «رواية السيرة الذاتية.. جدلية الأنا والذات في ثلاثية سمير عبد الباقي»، لمؤلفه الناقد والروائي د.أشرف حسن عبدالرحمن، أن الفارق كبير بين النص السير ذاتي ورواية السيرة الذاتية، فصحيح أن أصداء السيرة الذاتية تظهر بشكل أو بآخر في أعمال المبدعين، لكن رواية السيرة الذاتية - رغم ندرة نصوصها على خارطة السرد العربي - تظل نوعاً مركباً من الأدب، يحاول التوفيق بين شغف الإنسان بالحقيقة وحنينه الدائم للخيال.
ويؤكد المؤلف أن الرواية هي أكثر الأنواع تداخلاً مع السيرة الذاتية، وأن عملية الفصل بينهما ليست بالعملية السهلة، وهذا ما جعل «بارت» يصف السيرة قائلاً «إنها رواية لا تجرؤ على الإعلان عن نفسها».
يجمع الكتاب بين التنظير لرواية السيرة الذاتية كجنس أدبي له خصوصيته وبين النقد التطبيقي من خلال ثلاثية سمير عبد الباقى: «ولا هم يحزنون» و«زمن الزنازين» و«موال الصبا في المشيب». وجاء في خمسة فصول، يعرض الأول لإشكالية التصنيف موضحاً أن السيرة في أدبنا العربي، كانت دائما متعلقة بالآخر، أما السيرة الذاتية الشخصية فتعتبر من الفنون الحديثة التي نقلناها عن الغرب..
فالسيرة الذاتية لم تصل للعرب إلا متأخرة، وربما يرجع السبب في ذلك إلى أنها نص يعتمد على الافتضاح وهتك حياة صاحبها، لكن تختلف السيرة الذاتية عن الرواية في أنها تتعرض لحياة الكاتب بشكل مباشر، ففي الرواية يستطيع المؤلف أن يخفي شخصيته، لكنه في السيرة الذاتية يجد نفسه في مواجهة اختبار صعب كلما تعرض لموضوع حساس في حياته.
ويدرس المؤلف، في الفصل الثاني المكان في السيرة الذاتية، حيث يكشف أن المكان الواقعي الذي نبحث عنه في كل سيرة الذاتية يتشكل من المكان المعيش في الواقع بوصفه واقعة حقيقية..
والمكان بوصفه تجربة فنية. أي انه حصيلة مزج الوقائع التاريخية بالفنية. المكان في النص السير ذاتي ليس جغرافياً صرفاً، ولكنه مكان واقعي بالمفهوم الفني للكلمة، مثل أي مكان واقعي في الأدب، ثم ينتقل للحديث عن فضاءات سمير عبد الباقي فيلاحظ أن فضاء القرية هو الفضاء المهيمن على الروايات الثلاث.
ويحتفي الفصل الثالث بمفهوم الزمن في السيرة الذاتية، ويرى حسن عبدالرحمن، أنه بالرغم من أن الرواية/السيرة، تبدأ من الماضي نحو المستقبل، بحكم أنها رواية سيرية، تبدأ من الطفولة حتى اللحظة الآنية، إلا أن عبد الباقي لم يلتزم فيها بالمستوى البسيط للتتابع والتتالي، لكنه عمد في أحيان كثيرة إلى خلط المستويات الزمنية من ماض وحاضر ومستقبل خلطاً تاماً، ما خلق نوعا من التلاحم بين المستويات الثلاثة، والحقيقة أن استخدام الفعل الماضي كانت له السطوة.
ويضيف المؤلف، في «ولا هم يحزنون» استخدم عبد الباقي ضمير الغائب، عدا في افتتاحيتها التي كتبت بالضمير الأول: ربما يرجع ذلك كونها الرواية الأولى، فحاول فيها أن يكتب ملتزماً بالشكل الكلاسيكي، و«زمن الزنازين» جاءت كلها بالضمير الأول.
حيث يحكى بالتفصيل عن تجربة السجن، وكان هذا الضمير أكثر مدعاة لتعاطف القارئ، فمنذ اللحظة الأولى يصبح «الشاب اليساري» هو بؤرة الأحداث، والشخصيات التي سيقابلها ستكون عديدة مختلفة ومتنوعة، لكن الراوي بحكم أنه العين التي ترصد، لا يعرف مكنونات الشخصية، ولا يعرف عن نفسيتها سوى القدر الضئيل التي تبوح به، وعلى هذا ينتقل للقارئ جو الخوف وعدم الثقة في مواجهة آخر مجهول.
بعد ذلك انتقل المؤلف للحديث عن اللغة في «زمن الزنازين» مقرراً أن الحوار جاء بلغة جمعت بين الشاعرية والعامية، ولأن المكان من شأنه أن يصنع لغته، كان طبيعيا استخدام مفردات بذيئة وفاحشة، جاءت على لسان اللصوص والسجانة ونقلها الكاتب بحديث مباشر.
المؤلف في سطور
د. أشرف حسن. قاص وناقد ومترجم. حاصل على الدكتوراه في الأدب الفرنسي. نال المركز الأول بجائزة الطيب صالح العالمية للإبداع. نشر العديد من البحوث والمقالات النقدية بالعربية والفرنسية. رئيس تحرير سلسلة كنوز الترجمة الصادرة عن هيئة قصور الثقافة. وهو رئيس لجنة البحوث للمؤتمر العام لأدباء مصر. من أعماله: رواية رائحة البيوت. ومجموعات قصصية: أحياناً لا أكون ميتاً، يوم مناسب للقتل، نجيب سرور سيرة التمرد والقهر (دراسة).

