يرى المفكِّر والناقد إبراهيم محمود إنَّه ليس على الجمال من حرجٍ إنْ بذل قصارى جهده، لتعيين آليات عمل مغايرة، واستشرف أفقاً مغايراً للنظر في بنية جسد المرأة، رامياً إلى طرح مجمل ما سطّر عنه خلفاً، وتحديداً، حين يشار إلى العلاقة الرحمية أو الدلالية بين المرأة والدنيا، وهذا يمثّل تحدياً، في حد ذاته، لمن يحاول الحفاظ على مغزى هذا الربط..
ومن ثمَّ يقارب نوعية الحقيقة المتشكِّلة وراء هذا الدفع بالتاريخ لأن يفصَح عنه هكذا ذكورياً تماماً، ليرد دَيْناً، أي يستردَّ حقوقاً، تجعل الجمالي جمالياً فعلاً!. وهنا يسجِّل المؤلِّف اعترافاً بجميل المرأة التاريخي والأخلاقي والجمالي، الذي يشكّل في واجهة المجابهة النقدية شاهد عيان على خاصية اللاخاصية الجسدية المعطاة للمرأة..
وهو ما يجعل من هذا الموضوع ساحة رهانات وتداخل أوجه خطاب بأكثر من معنى، كون المعرَّف والمأخوذ به من كلا الفريقين- إن جاز التعبير، جنسانياً، فيبقي الجسد مقصياً عما هو مميَّز به، ويغدو الحديث عن شبح الأصل دعوى مُشرعنة، أو حجاجاً كلامياً لإبقائه في حالة إرجاء، مع التأكيد على أنَّ منطوق القول الذكوري أقرب إلى حقيقته المعبِّرة عن الذكوري فيه، وربَّما على علمٍ ضمني بوجود لعبة متجدِّدة..
في نطاق المدَّة الطويلة تاريخياً، ليكون سيِّد الكلام ممثِّل المرأة، مدركاً للمغاير فيها، خلاف منطوق القول الأنثوي كثيراً، وهو في حداثة عهده بالخطاب الأدبي أو الفكري أو التاريخي مقارنة بالآخر، ذلك المنطوق الذي ينسِب إلى نفسه في الكثير من صولاته أو جولاته الكلامية أنَّه قاب قوسين أو أدنى مما هو عليه كمختلِف جسدياً، بينما ثمَّة لائحةٍ كاملة من الصياغات الإنشائية والتصورات البلاغية واستلهامات المعنى، ومن داخل اللغة، وما يعينها على تفعيل مأثورها القيمي..
حيث يظلُّ الجسد الأنثوي في اعتباره «البغيض»، تقديراً أو كمحصِّلة استقراءٍ للسائد، محيلاً إيَّاها إلى حاضنة الآخر- الذكرُ نفسه، مما يبقي المجال مفتوحاً للمزيد من النكبات التي تنال من حقيقتها. على أنَّ صفة «البغيض» هذه لافتة، وتصوغ سؤالها الجنساني في الحال، ولكن أيُّ بغيض، ومن يكون وراءه، وكيف يتمُّ تداوله، ومن يرفده بالمدد الفاعل في بقائه؟.
الأنثى الكونية
أسئلة قاسية يطرحها الباحث إبراهيم محمود، غير إنَّه يردُّنا إلى التاريخ الذي نقرأه دون أن نسبره كما يجب، حيث إنَّ ميثولوجيا الأنثى الكونية (الأمُّ الكُبرى) لمَّا تزل تطرق أبوابنا من الخلف والأمام، كما أنَّها مدوية في صداها، لعلَّنا نحسن تدبُّر هذا الذي يناوشنا أو يخرجنا إلى ساحة المواجهة، فثمَّة ما هو خفي عن الأنظار بالنسبة للطبيعة..
وكأنَّ لدينا قانوناً يسيِّرها ويترجم تبدلاتها الفصلية، أو المناخية، دون أن يخفى عن الناظر الحصيف، أنَّ هذا القيِّم ذكرٌ متنفِّذ، وأنَّ الأُمَّ الكبرى تلك التي تسمي المنتمي إليها زوجاً وابناً معاً، إنَّما دون أن تخفي من وراء اللعبة هذه: الإِلَهَ الذَكَرْ.
وفي سياق الربط بين الأم الكبرى والطبيعة، ونوعية الإخصاب وآفة العقم والجدب، والموقف من جسد المرأة من منظور اقتصادي، أي قانونية الجاري، كان ذلك التعالق بين الحياة والمرأة، حيث تلعب الفتنة دورها الكبير في استدراج الرجل، بصفته الضحية أو العاجز عن الصد. وهنا يجب أن يُنظر في جسد المرأة, وكيف أثقِل عليه، وغيّب عن الأنظار، أو جرى في الواقع اختزاله وراء أكثر من حجاب..
وعادل الحجاب نفسه، كما لو أنَّ المرأة لا تمتلك جسداً يتنفَّس أو يحيا نظير جسد الرجل، إنَّما جسد لا يُنظَر فيه إلا في حالات خاصة جداً، جسدٌ محكوم بتاريخ لم يُستشَر فيه، أو يُصغى إليه. إنَّ البحث في العراقة كمفهوم تاريخي وثقافي، يحتِّم علينا، ومن باب الإخلاص للحقيقة، أن نُولي هذا الجسد المغيَّب في تاريخٍ يعادي كينونته ما يستحقُّ من ولاية في التسمية والاستقطاب القاعدي:
المعرفي: النقدي والفلسفي في العمق، وما يقابله جمالياً، بمعنى تجلِّيه الأكثر عراقة، كما في عبارة (الأُمُّ الكُبرى)، وما يندرج في حاضرة الجسد الكونية، في المزايا الإخصابية، أو أهلية التكاثر والاندثار، أو ما يعزِّز من مكانته بوصفه القادر على تأكيد حضوره وتناميه.
تجليات شعورية
إنَّ الخبير في علوم الطبيعة أو الطبائع، وموازين القوى، يستطيع أن يصنِّف قوائم تتقاسمها قوى وجماليات رؤية، وتجليات شعورية مستجدة، ويكون جسد المرأة في الواجهة مباشرة.
إذ ليس الجسد الذي قيل فيه الكثير إلا الجسد المستعار، وأنَّ جمهرة المفردات التي ثملت فقهاء الجمال، كالفتنة والروعة والدهشة والحلاوة واللذَّة والتناسق والرشاقة والحس المرهف...إلخ، تتطلَّب الكثير من السبْر في بناها الخطابية، وما يدعمها في العمق بعيداً عما هو عليه ذلك الجسد نفسه، وخصوصاً راهناً، حيث عروض الجمال تستبيح الجسد بطرق شتى.
المؤلف في سطور
إبراهيم محمود مفكِّر وباحث سوري، صدرت له عشرات الكتب منها: «الضلع الأعوج»، و«جماليات الصمت»، وغيرها.
