إن التعليم ليس مجرد أنشطة محايدة فى تكوين المواطن، بل له الصدارة فى تشكيل وجدان وعقل المتعلم، من خلال تعظيم شأنه فى بناء الأنفس والعقول، مع تعظيم دور المعلم. كما أن توفير التعليم لكل فئات المجتمع يعد من ضرورات بناء الوطن، حيث تتشكل القيادات الواعية والمنتمية للوطن.

ويعد اختناق مصادر التفكير والتعبير والإذعان لتوجيهات العولمة والسوق وتسليع التعليم «أي أن يصبح التعليم سلعة للتربح»، كلها من أهم أسباب التدهور التى تهدد المؤسسات التعليمية، في كل بلدان العالم العربي.

بتلك المفاهيم قدم الكاتب د. حامد عمار كتابه «تعليم المستقبل من التسلط إلى التحرر»، الذي يتشكل من ثمانية أبواب، عرض خلالها رؤيته الإصلاحية للتعليم، خصوصا للمرحلة قبل الجامعة، من عناوين تلك البواب: «تعليمنا بين التدهور والانتعاش»، «من أمراض التعليم المزمنة»، «نحو تأسيس مجتمع المعرفة في الوطن العربي»، وغيرها في مقالات منفصلة.

وهو ما عبر عنه الكاتب في خاتمة مقدمة الكتاب: «هذا الكتاب يقدم مشاهد وقضايا تنير الطريق من عرض أوضاع ومشكلات وجدل بين الواقع والطموح، ما تمثل في التفاوت المعرفي، والتغيرات في هياكل التعليم ومناهجه ومدخلاته وعوائده، باختصار الكتاب من نوع النقد والصرخة فى مواجهة مشكلات التعليم الطارئة أو المزمنة.

أما عن العولمة وتأثيرها، فقد تسببت في ارتفاع معدلات الحرمان من فرص التعليم، وخاصة التعليم الجيد، بعد شيوع المدارس الأجنبية مرتفعة المصروفات، وساعدت على تدهور الطبقة الوسطى أو محدودي الدخل، تلك الطبقة الواعية والطموحة للحصول على أفضل الفرص. في المقابل زاد الفساد، وتنوع نمط التعليم إلى عام وخاص وأجنبي، ولكل منها مستواها وتكلفتها أيضاً، لإنجاز واجب التعليم، الذي تعددت مناهجه وطرق التعلم، وهو ما عرف بـ«تجارة التعليم».

ولاحلول سريعة مناسبة لمواجهة العولمة فى التعليم، إلا التدخل من المؤسسات المختصة لتوفير مهارات التنمية الضرورية للبلاد، وليس بالنظر إلى مهارات دول أخرى أكثر تقدما، وقد يشار هنا إلى تجربة «الأطباء الحفاة» في الصين، والتي نمت الآن وأخرجت اسماء عالمية من الأطباء، ومن المنجزات الطبية.

ثم يجىء التعليم ودوره فى بناء البشر، وهي القضية أو الهدف الذي يعد العمود الفقري للتعليم فى كل البلاد، وبالتالي يثير قضايا جانبية يجب طرحها ومناقشتها أولا. ومن تلك القضايا ما عرف بقضية الأصالة والمعاصرة، ولا بديل من الخارج مهما بدا لافتا، دون الإستفادة من تجربة الوطن الداتية أو التجربة الوطنية الممتدة فى الزمان والمكان.

كذلك قضية «الكم والكيف» في التعليم، وفي ذلك فإن المعيار العالمى يضع 10 سنوات كحد أدنى لتعليم الفرد، قبل أن يشارك فى المجتمع العامل، لأن زيادة عدد المتعلمين سمة ضرورية لتنمية المجتمعات. وقد ركز الكاتب على نوعية أمراض التعليم المزمنة، حيث توقف مع ضرورة تعليم الصغار مقاومة أجواء التطرف والعنف.

وقد برر ظاهرة العنف والتطرف إلى جذورها في ممارسة التعليم الخاطئة، منها: عدم الاستماع إلى الرأي الآخر أثناء عملية التعلم، وتوصيل فكرة أن ما يمارس بين الأفراد والجماعات هو من الحقائق المطلقة، التعصب عند الأفراد والجماعات، بأن أفكارها وحدها الصحيحة دون الحاجة إلى خبرات جديدة.

المؤلف في سطور

حامد عمار، كاتب مصري من مواليد 1921، يلقب بشيخ التربويين، له مجموعة مؤلفات من ضمنها؛ سيرته الذاتية فى كتاب عنوانه «خطى اجتزناها بين الفقر والمصادفة إلى حرم الجامعة»، تضمنت السيرة الذاتية سرداً تفصيليا لحياته منذ الطفولة في قريته في صعيد مصر، حتى حصوله على درجة الدكتوراه، وعمله خارج مصر، ومشاركاته في الحوارات والمؤتمرات العالمية والدولية والجوائز.