يؤكد هنري آجيل في كتابه «علم جمال السينما»، بأن السينما هي الفن الشامل الذي تتجه نحوه كلّ الفنون الأخرى، وستصل إلى وقت تكون فيه السينما الفن الوحيد القادر على الاستجابة للاحتياجات الجماعية الكبرى. وكان رتشينو كانودو، وهو كاتب إيطالي ذو ثقافة فرنسية، قد أسس في العام 1913 مجلة طليعية أطلق عليها اسم «مون جوا»..

وجمع في القبو الذي كان يقيم فيه رجال أدب وفنانين وموسيقيين، وقد أدرك كانودو بأنه يمكن للسينما أن تكون أداة رائعة للشاعرية الجديدة، ومنذ ذلك الحين أخذ يتساءل حول دلالة وأبعاد هذا الفن الذي أطلق عليه الفن السابع، وكانت السينما تأتي لتضاف إلى الفنون التقليدية:

«الهندسة، الموسيقى، الرسم، النحت، الشعر، الرقص»، إنها اندماج الفنون التشكيلية والفنون الإيقاعية، اندماج العلم والفن. إنه يرى الصدق الأسمى للسينما في التعبير عن داخل النفس وليس في تقديم الوقائع، إنّ على صانع السينما أن يحوّل الواقع ليجعله على صورة حلمه الداخلي، عليه أن يتلاعب بالأضواء التي يتم التقاطها في سبيل استثارة حالات روحانية داخلية وليس تصوير وقائع خارجية.

قوة السينما

إنّ السينما، كآلة «تولد المتخيل»، جعلت للحلم مكاناً في قلب الحضارة، إذ لم يسبق أبداً لميثولوجيا الإنسان الداخلية أن تجسدت بمثل هذه القوة، وأبداً لم تكن على احتكاك بالواقع الطبيعي يماثل احتكاكها الراهن به. وعلى هذا النحو تأتي السينما لتضيء الإنسان بطبيعته النصف - التخيلية.

درس بيلا بالاش إمكانية السينما الناطقة، فقال عنها: «إنها ليست استكمالاً واقعياً للسينما الصامتة، بل هي إمكانية للكشف الشاعري، وإنّ هدف الفيلم الناطق يكمن في تخليصنا من كابوس الضجيج المرتبك، يجعلنا نستقبل هذا الضجيج بوصفه تعبيراً ودلالة ورسالة»، «سوف تدخل الكاميرا الصوتية في كابوس الأصوات هذا لتكيفه وتفسره، وعندئذ سيكون الإنسان هو نفسه الذي يتحدث إلينا من أعلى الشاشة الصوتية».

في الأصوات كما في الصور ثمة تقاسيم بالغة الدقّة، فثمة ذبذبات لا يمكن التقاطها، وظواهر حميمية لها علاقة بالحياة الكونية الكبرى، سنكون قادرين على الإحساس بها إذا ما اقتربنا من المصدر الصوتي مستخدمين لاقط الصوت.

افتراضات مجرّدة

ولا يزال إيز نشتاين يعتبر حتى اليوم أكبر مخرج سينمائي روسي وواحداً من أكبر المخرجين في العالم. وعندما قدّم «إيفان الرهيب» في بروكسل عام 1908، تبيّن للجميع أن أبحاثه التشكيلية كانت على الدوام في ازدهار أخذ فيها بعين الاعتبار الواقع الملموس في ذاته، وتلك الأفلام التي قصر فيها كل خلية على نوع من الكتابة الهيروغليفية «أكتوبر - الخط العام».

ورودولف ارنهايم كان بالغ الاهتمام بالسينما والراديو وبكل المشكلات الفنية، وتكمن جدة بحثه في كونه قد انطلق من افتراضات مجرّدة، وليس من أمثلة ملموسة. إن الطابع السينمائي يكمن في الفارق القائم بين الأحداث الحقيقية وإعادة إنتاجها وفي تحليل أرنهايم، نعثر على مبادئ توليف المنوعات وإلى إحالات إلى إيز نشتاين وبودوفكين.

لا ينبغي للفيلم أن يُدرس بوصفه شيئاً جمالياً، بل بوصفه ظاهرة اجتماعية وتاريخية، وشاهداً على حالة حضارية معينة، وقادراً على استكمال أو تغيير بعض الوقائع السوسيولوجية، ولا ينبغي الفصل بين الإبداع والإنتاج. أمّا رينا توماي فصاحب «لغة الفيلم»، فإنه يرى أن رؤية الفيلم لا تبتدئ على الشاشة بل في أعين المتفرجين.

لقد درس جورج داماس فصاحة الصورة المتحركة بكل أنواعها، وأقام تطابقات محدّدة وموضحة للغاية بين حياة اللغات التقليدية وتطوّر هذه اللغة الجديدة.

وأقام خطاً متوازياً صارماً بين السينما ولغة العصور الوسطى في فرنسا، وعمد إلى التأكيد على الطابع التجريدي للسينما، إن بوسعنا الآن أن نرى بداية الوصول إلى التجريد، السينما لا تعرف الحدود ولا تعرف اللغات، ونحن لا يمكننا أبداً أن نبتكر أداة للمعرفة والثقافة أكثر مرونة وإقناعاً من السينما، ولا أن نحلم بفن يكون أكثر إكمالاً».

إن السينما هي: إحساس بالحركة، قوّة ضاربة تؤدي إلى مشكلات عاطفية وإلى تطور منطق ما. تتحوّل الحركة إلى إيقاع والإيقاع إلى لغة، ويتم الانتقال من الحركة إلى الإحساس بالحركة إلى الخطاب، ومن الصورة إلى الشعور إلى الفكرة، فهي تجعلنا نرى ولادة منطق انطلاقاً من نظام مشاركة فيه سحر وروح.

ويقوم الأمر في تقديم مقابل تشكيلي وفي اتباع إيقاع في المكان يكون قد تتابع فعلاً في الزمان، وفي هذا الصدد ينبغي أن نشترك مع التنويعات الزمنية التي توفرها الموسيقا بتنويعات مكانية توفرها الصور، وأن نطور كذلك في المكان وفي الزمان في الإيقاع بفضل تماهي طابع اللفظات السينمائية مع طابع مختلف الكتل الصوتية والنغمات، حيث تظل الأولى على اتفاق تام وعلى تماسّ ثابت مع الأخرى.

المؤلف في سطور

 إبراهيم العريس، صحفي وناقد سينمائي ومترجم، ولد في بيروت عام 1946، درس الإخراج السينمائي في روما، والسيناريو والنقد في لندن، يترأس حالياً القسم الصحافي في جريدة «الحياة»، له كتب كثيرة أهمها: «رحلة في السينما العربية»، «التسامح بين الشرق والغرب»، «الحلم المعلق».