يُخبر هاشم مشرفيّة في كتابه الصادر حديثاً تحت عنوان «جيل الخيبة» نُتفاً من سيرة وطن، غيرت الحرب التي استمرت زهاء 15 سنة الكثير من معالمه. أحلام اللبنانيين بوطن مُختلف تحولت كوابيس قاتمة. كلفة غالية دفعوها بدلاً لتلك الحرب المشؤومة. كل طموحاتهم في النهاية جسدها خروجهم من جمهورية الميثاق الوطني إلى جمهورية الطائف، الذي صيغ بموجبه نظام جديد للبنان..

وضع حداً للحرب الدائرة على أرضه، وشكل بداية مُتعثرة للخروج من النفق المظلم. بعد مروره العابر على نشأته وتربيته، يستعيد الكاتب بعضاً من الأحداث المفصلية والمهمة، التي كانت لها تداعيات واضحة على استقرار لبنان الأمني والسياسي.

ينتقل بالقارئ من حرب الأيام الستة بين العرب واسرائيل وما أعقبها من تطورات، كان من أبرزها الصعود المدوي للمقاومة الفلسطينية، والسماح لها بالعمل الجهادي ضد إسرائيل من الجنوب اللبناني بموجب اتفاقية القاهرة 1969، إلى حرب 6 أكتوبر والتي امتدت من سيناء إلى الجولان وانتهت بانتصار العرب الوهمي.

انتصارات مزيفة

وكان من نتيجتها كما يوضح الكاتب أن دفع لبنان فاتورة الانتصارات المزيفة وصراع «أبطال تشرين» على أرضه وتسطيرهم جرائم موصوفة بحق اللبنانيين، ليتسع نفوذ الفلسطينيين ويتمدد وجودهم على كامل الأراضي اللبنانية، فكانت بداية جمهورية ياسر عرفات شرقاً وغرباً، شمالاً وجنوباً، ساحلاً وجبلاً، دكت مقومات الدولة واستباحت الأرض.

لمحات خاطفة من سيرة بيروت في أوائل السبعينات، وتحديدا قبيل الحرب اللبنانية، يتناول الكاتب عرضها، متوقفاً عند أبرز معالمها الثقافية والفكرية والفنية، فيذكر النهضة المسرحية التي يرجع جذورها إلى الستينيات مع منير ابو دبس ولطيفة وأنطوان ملتقى وجلال خوري وريمون جبارة والمهرجانات الفنية والغنائية التي حملت تواقيع الرحابنة وفيروز ووديع الصافي، ونصري شمس الدين ...

ويتوقف على شارع الحمراء في بيروت وما كان يمثله للمثقفين مختلفي التيارات والأهواء والتطلعات بمقاهيه ومعارضه وأرصفته، ويسترجع زخم الحركات الطلابية والجامعية وتوزع مطالبها بين الدعوة إلى تأييد الحركات الثورية ورفع شعاراتها ودعواتها إلى التغيير وبين مؤيد لحق المقاومة وسلاحها ومؤيد لشرعية الجيش اللبناني والقوى الأمنية.

بيروت

يسترسل في رسم صورة بيروت قبل الحرب، رجوعاً إلى عقدي الستينات والخمسينات، إلى بيروت مجلة «شعر» و«الآداب» ومناظرات انسي الحاج ويوسف الخال وأدونيس وحول الحداثة وقصيدة النثر، بيروت حاضنة الهاربين من جور أنظمة بلدانهم من شعراء ومفكرين وروائيين ورسامين، ويضع الكاتب القارئ في هذه الاجواء، بكل ما تحمله من تناقضات..

وما تُخبئه من مفاجآت. القاصي والداني كان يعرف أن لحظة الانفجار الكبير تقترب من نقطة الصفر، وأن 13 أبريل 1975 ستكون البداية لحرب، لم يقدر أحد أنها ستمتد طوال 15 سنة وستُخلف عشرات الآلاف من القتلى والجرحى والمفقودين والمعوقين والمهجرين في انحائه وفي أصقاع الأرض كافة.

وأن اكثر من اجتياح اسرائيلي للأراضي اللبنانية، سيترك تأثيراته على التحالفات السياسية والتطورات العسكرية والسياسية لاحقاً.

يُراجع الكاتب حساباته في عملية نقدية ذاتية، مُستخدما ضمير جمع المتكلمين باعتبار الـ«نحن» أكثر تمثيلا لذات الفرد، الذي فقد مكوّن خصوصيته فاضمحلّت الـ«أنا» في الـ«نحن». غاب الفرد بوصفه كائناً، مستقلاً، حراً، انتهى في الجماعة، وما تمثله بالنسبة إليه من مصدر حماية ومناعة وقوة، في زمن الخوف والحروب العقائدية والطائفية والمذهبية.

وتحت عنوان «شخصيات مؤثرة» يكتب في الفصل الرابع ما يشبه السيرة الفنية لزياد الرحباني منذ انطلاقته في أوائل السبعينات، وما كان يمثله بالنسبة لشريحة عريضة من اللبنانيين من خلال قفشاته الغنائية والمسرحية التي كان يصوغ حواراتها بأسلوب نقدي، تهكمي، ساخر، لتتحول بعض تعبيراته محط كلام عند الكثير من اللبنانيين.

 الكتاب: جيل الخيبة

تأليف: هشام عادل مشرفية

الناشر: دار نلسن - 2014

الصفحات: 253

القطع: الكبير

المؤلف في سطور

 هشام مشرفية من جيل لبناني اختبر تجربة الحرب بمراراتها وقساوتها وعوالمها ونقص الحب والتسامح والتصالح مع الذات والهوية.