يرى كتاب «الغناء المصري.. أصوات وقضايا» للدكتور نبيل حنفي محمود، أن الغناء المصري دخل طور النهضة في العصر الحديث بعد ثورتين يفصل بينهما قرابة القرن، في الثورة الأولى التي بدأت في الربع الأول من القرن التاسع عشر وقادها الشيخان شهاب الدين محمد إسماعيل..

ومحمد عبدالرحيم المسلوب، تخلص الغناء المصري من أساليب الغناء الغجري والعثماني والفارسي، التي طغت عليه طوال سنوات الاحتلال والضعف، ليعود بعد الثورة الأولى إلى أصوله القائمة على الشعر والأزجال العربية، إضافة إلى القوالب والمقامات والإيقاعات العربية الأصيلة..

وواكبت الثورة الثانية ثورة الشعب الكبرى في عام 1919، في تلك الثورة التي قادها سيد درويش وبعض معاصريه، اهتم الموسيقيون بالتعبير الموسيقي عن الكلمة المغناة وبتطوير القوالب الغنائية وبإدخال بعض آلات وتقنيات الموسيقى الغربية في ألحانهم، وبطبيعة الحال اختلفت نوعية الأصوات الغنائية التي واكبت الثورتين، فكانت الأصوات المعاصرة والملاحقة لأحداث الثورة الأولى يمكن أن تسمى الأصوات العملاقة،..

حيث تميزت باتساع المساحة وعمق الإحساس بالمقامات والقدرة على الارتجال، ويحفظ التاريخ من تلك الأصوات أسماء مثل عبده الحامولي ومحمد عثمان ويوسف المنيلاوي وعبد الحي حلمي ومحمود صبيح وعباس البليدي، وفي الثورة الثانية اتصفت الأصوات الغنائية بخصائص أخرى مثل دقة التعبير والجاذبية والتآلف مع الميكروفون، إضافة إلى الملامح الشخصية والقدرة على التمثيل.

ويسعى المؤلف بجهد متميز للتأريخ للغناء المصري في عصر ازدهاره، معتمداً على قراءات ومتابعات لحكايات وتراجم وقضايا على ما ورد في الكتب والصحف والمجلات، وقد قام بإثبات مصادره من أحداث ووقائع وتواريخ في موقعها من السياق، مؤكداً أن الغناء ارتبط عبر التاريخ بقضايا كثيرة، من ضمنها علاقات الغناء بعناصر مجتمعية فيما تردد فيه من دول، ونتج ثانيهما مما ينتشر بين أهل الغناء من أفكار ومنافسات.

ويلفت المؤلف إلى أن كلاً من الأصالة والتغريب وصراع الأجيال هي أكثر ما ينطوي عليه القسم الثاني من قضايا، ويستطيع المدقق في تاريخ الغناء وسير أعلامه أن يلاحظ أن تلك القضايا تظهر في مجمل مشوار بعض الأصوات الغنائية مع الغناء، أو في مجموعة من المواقف والأحداث التي شارك فيها فريق آخر من الأصوات.

ويقول إن «هناك صلة لا يخطئها عقل بين التكوين والأصالة. فعلى قدر ما احتوته عناصر التكوين من لبنات ثقافية وحضارية، يجيء رصيد الموهبة من الأصالة. وتستوي في ذلك المواهب في كل فن، وكذلك المعايير الحقيقية للخلود، إضافة إلى معارك التنافس أو ما يسمّى صراع الأجيال».

ويؤرخ الكتاب لسير 10 من أجمل الأصوات الغنائية في العصر الذهبي للغناء المصري، ذلك العصر الذي امتد نحو نصف قرن، بين عشرينات القرن الماضي وسبعيناته، وهم: أم كلثوم، وعبدالوهاب، وأسمهان، وفريد الأطرش، وعبدالحليم حافظ، و محمد فوزي، ونجاة الصغيرة وعباس البليدي وفايدة كامل وكمال حسني.