حوارات جوزف صايغ مع الفكر الغربي، ترقى إلى أوائل سنوات حرب لبنان 1977 - 1978، أرادها مُتنفساً، من خلاله يكسر حاجز القلق والخوف: القلق على لبنان، والعجز عن أي شيء ماعدا الكتابة كما يوضح في المقدمة.

كتب كثيراً خلال سنوات الحرب، تحت وطأة الظروف الضاغطة، لكنه آثر ألاّ ينشر يقيناً منه «أن الانفعال مرشد سيىء ووحيه قد يستتبعه الندم» فكان أن وجّه اهتمامه الى محاورة آخرين، أدباء ومفكرين، جميعهم من الأسماء المرموقة والمعروفة في عالم الأدب والفكر. أمثال رولان بارت وجيلبرسيسبرون وميشال بوتور وآلان بوسكيه وبيار سيغرس وآلان روب غريّه وهنري تروايا وفرجيل جورجيو وآخرين.

ثقافات مُختلفة

تتميز هذه المحاوارات بكونها بين لغتين: الفرنسية والعربية، أي بين ثقافتين مختلفتين، وبالتالي بين فكرتين متقابلتين، لكل منهما دربة خاصة في التفكير، واصطلاحات مغايرة في مقاربة الحقيقة والواقع..

كما يحلو له التعبير؛ «وهذا ما يؤلف ثراءها وخطرها معا: ثراؤها، من حيث هي نظرة تلقيها ثقافة على ثقافة أخرى، ومنهجية عقلانية مُغايرة، تتناول أوضاع إنسان أجنبي عنها. وأما خطرها، فيكمن في كون كل من اللغتين الفرنسية والعربية تستعمل المفردات ذاتها لتدل على أشياء مختلفة».

تعمد الكاتب في بداية كل حوار أن يثبت تُعرّيفاً بسيرة محاوره الشخصية والأدبية، مُمهداً لذلك أحياناً بقراءة نقدية لأهم أعماله، تتيح للقارئ الوقوف على نتاجه وعلى مسودات أفكاره الأساسية.

أسئلة حرجة

تطرح المحاورات إشكاليات هامة، على صعيد الشعر والرواية والنقد. فالمحاور ُ يعرف مداخل الحوارات الساخنة، والمسائل التي أثارت أسئلة حرجة، وكانت محطة لنقاش لم تنته زوبعته حت اليوم. فمع آلان روب غريّيه يدخل في قراءة متقدمة للرواية الجديدة بتخليها عن السرد والحبكة ويقف غرييّه الى جانب كبارها: ميشال بوتور، ناتالي سارروت وكلود سيمون في تقديم رواية مُختلفة عن السائد آنذاك.

ومع الروائي هرفيه بازان رئيس أكاديمية غونكور منذ سنة 1973 يدخل في حوار معه حول نشأته وبداياته الشعرية والروائية وموقفه من الرواية الجديدة، التي انتهت برأيه بعدما تفرق روادها وانتهوا إلى اهتمامات أخرى.

ويبدي الكاتب حماسه لملاقاة رولان بارت في حوار جريء حول أعماله، وتحديدا حول كتابه «مقاطع من خطاب عاشق»، أثار الكتاب في عنده انطباعاً أن بارت عاشق كبير، وصاحب حس مُرهف، فإذا به يجده رجلاً مُرهقاً بالغذاء الذي تناوله لتوّه.

الشاعر جان بيار فاي، الذي حاذر لقاءه أربعة شعراء لجديّته ولصعوبة مراسه، وجد فيه محاوراً سلساً، ذا إشراق مُمتع. وعن لقائه بجان دورمسّون يقول كان مُتعة خالصة، «لأنه التقاء ثقافة، بل أسلوب لغوي هما اليوم نادران»، ومن هذا القبيل كان لقاؤه مع جان كو، الذي قلب الحديث معه الى حديث له، صاغه وأعده ليُنشر في الأسبوع التالي في مجلة «باري ماتش». لقاؤه به ذكره بهنري ده مونترلان، نظراً للشبه الكبير بينهما.

ومحاورته كبير ناشري الشعر في فرنسا الشاعر بيار سيغرس تكشف عما يجري في كواليس النشر من ترتيبات وحسابات، يأخذ الناشرون في حساباتهم عادة الربح المعنوي والمادي، من غير أن يخفي سيغرس ولعه بالشعر وانكبابه على كتابته بشغف عاشق.

يتجاوز جوزف صايغ في محاوراته، الشأن الأدبي والفكري والنقدي، لتطال بعض أسئلتها التاريخ والفلسفة والدين، تبعاً لاهتمامات محاوره، ويضاعف من أهميتها كون الأجوبة تستولد الأسئلة وليس العكس، وهذا أمر يشترط ثقافة واسعة ودراية لغوية.

المؤلف في سطور

جوزف صايغ شاعر وأديب لبناني عمل بالصحافة وإنتاج البرامج الثقافية في إذاعة «باريس العربية»، ثم أسس الملحق الأدبي لجريدة «الأنوار» ورأس تحريره، ثم تولى إدارة تحرير القسم الأدبي لمجلة «الجديد». أصدر مجموعة دواوين شعرية، من ضمنها «قصور في الطفولة» 1964، «المصابيح ذات مساء» 1972، «ثلاثيات» 1984، ومن مؤلفاته: «سعيد عقل وأشياء الجمال»، حاصل على وسام ضابط الفنون والآداب من وزارة الثقافة الفرنسية.