كتاب «الأخلاقيات والحرب» يطرح السؤال المهم: هل يمكن أن تكون حروب القرن الحادي والعشرين عادلة؟ ولا يقدم جواباً. وهو في أصله رسالة أكاديمية تقوم على فرضيات مثل التساؤل عن معايير الحرب العادلة، انطلاقاً من نماذج من الحروب والأحداث.

كما قدم الكتاب لأفكار وأحداث قديمة وجديدة، من نظريات وخبرات عملية، ومن الفلسفة والتاريخ، بداية من الحرب البلوبونيزية بين أثينا وإسبرطة فى القرن الخامس قبل الميلاد، حتى مجمل حروب المنطقة العربية والاعتداء على غزة 2008. ومروراً بآراء أفلاطون وأرسطو إلى أفكار توما الاكويني، وفلاسفة القرون الوسطى والحديثة.

ومع ذلك ميز المفكر الفرنسي إيمانويل كانط في حديثه عن منع الحرب وحفظ السلام، ميز بين فكر الفلاسفة والبيرقراطيين «الساسة والعسكريين»، المنوط بهم التعامل مع الواقع. ويرى كانط أنه من الضروري أن يستمع البيروقراطيون للفلاسفة، وعلى الفلاسفة تقدير مسؤوليات البيروقراطيين.

معيار ميكافيلي

ويرى الكاتب بداية أن المعيار الميكافيلي للحروب لم يعد صالحاً الآن، خصوصاً، بعد العدوان الأميركي على العراق، كما أن أمراء الحرب لم يعد لهم وحدهم الكلمة في إشعال الحروب، نظراً لوجود كيانات مسؤولة أمام الرأي العام في المجتمع المعاصر. ويضيف أن الحصافة أو الحكمة في مقدمة الفضائل الواجب توافرها في شخصية صاحب القرار.

تلك الرؤية هي التي تبرر ما قاله الكاتب في مقدمته بأنه جرت العادة أن يكون علماء اللاهوت أو الفلاسفة هم من يقومون بتأليف الكتب عن الحرب العادلة، ثم برر اهتمامه بالموضوع والتوجه في هذا الكتاب لكونه ممن درسوا الفلسفة والأخلاق، كما عمل بوزارة الدفاع البريطانية، بل ومستشاراً عسكرياً لحلف الناتو.

تطور مفهوم

ويرى الكاتب ضرورة وأهمية إعادة النظر في الدلالة اللاهوتية لمصطلح الحرب العادلة في القرون الوسطى، نظراً لتطور مفهوم وواقع الحروب المعاصرة. وإن نشر البعض كتابات حول الحرب العادلة مع تجربة الحرب الفيتنامية، لم يجد في كتاباتهم مبررات تقديم أي أساس عقلي أو موضوعي للأخلاق. بل وانتقل الشك في توفير قيم أخلاقية للحروب من الخاصة إلى عموم الناس.

هذا التشكيك الأخلاقي يعد تحدياً واضحاً في التفكير عن الحرب العادلة. وهو ما برز في آراء القادة العسكريين من عدم توافر التصرف الأخلاقي للجنود في جيشه، ويبرر ذلك بعدم تربية الجنود في الأسرة والمدارس بمفاهيم تلك الأخلاق.

أما التحدي الثاني في كيفية ضمان انتشار تعاليم الحرب العادلة، فهو ضيق دائرة المشاركة في قرار الحرب والسلام. إن كانت في العصور الوسطى مقتصرة على الأمراء والحكام، فقد زادت الدائرة منذ الستينات من القرن الماضي بسبب التهديد النووي والحرب الباردة بين الاتحاد السوفييتى القديم والولايات المتحدة الأميركية، وتجدد الخوف من الحرب التقليدية.

ويبرز التحدي الثالث والمتمثل في توافر القواعد الأخلاقية، تلك التي يمكن رصدها ونشرها، ومع ذلك لا تطبق عملياً. حيث يثار السؤال: كيف يكون السياسيون والجنود معتادين على تعاليم الحرب العادلة؟

وتعد الفضائل أهم مرتكزات الحرب العادلة، والفضيلة بحسب تعريف أرسطو هي سمة شخصية تعبر عن نفسها في اختيار، يكمن في مغزى يتصل بنا، يجرى تحديده بمبدأ عقلاني يمكن الرجل الحصيف من أن يقرره. وتعد الفضائل العسكرية من مبادئ تقاليد الحرب العادلة، وهي ذات أهمية حيوية في الميدان العسكري، إذ الأمل معقود على تطبيقها. وتلك الفضائل هي سمات شخصية، وهي أربع فضائل: العدالة والحصافة والشجاعة والاعتدال.

العدالة: تظهر باعتبارها الضامن لأداء العادل أثناء الحرب، غير أن العدالة يصعب الإمساك بها، حيث تستخدم العدالة بمفاهيم مختلفة مثل: المفهوم الأخلاقي للعدالة، ومفهوم عدالة التوزيع، ومفهوم العدالة العقابية. وغالباً المعني هنا هو العدالة بالمعنى الأخلاقي.

الحصافة: وهى ضرورية للتطبيق السليم للمبادئ، وبها تحدد كيفية التطبيق ونوعية العمل المطلوب القيام به. كذلك الشجاعة والسيطرة على الذات، وهما ضروريان للجنود قبل وأثناء المعارك، لضمان الثقة في الذات (ذات الجنود).

المؤلف في سطور

ديفيد فيشر، ولد بالمملكة المتحدة - درس الآداب والفلسفة وعمل بوزارة الدفاع البريطانية، حصل على درجة الدكتوراه في الأخلاق «موضوع هذا الكتاب»، كما حصل عليها من جامعة أكسفورد، لم يعمل في السلك الأكاديمي بالجامعات، وأصبح المستشار العسكري بمكتب رئيس الوزراء، ثم مستشاراً عسكرياً في حلف شمال الأطلسي «الناتو».