يرد الباحث د. عبد القادر عرابي أسباب غياب المناهج الكيفية في حياتنا الفكرية والعلمية إلى تقصير الباحثين العرب الذين ركبوا موجة المناهج الكمية، وابتعدوا عن المناهج الكيفية الصعبة، وإلى تسييد ثقافة علم الاجتماع الأميركي ومناهجه في جامعاتنا، والتي كانت السبب في ذلك العقم المعرفي والمنهجي الذي نلاحظه في مؤسَّساتنا العلمية. وإذا كان الخلاف بين المناهج الكمية والكيفية قد شكَّل هوية العلوم الاجتماعية وطوَّرها، فإنَّ علومنا الاجتماعية العربية لم تعرف هذه النقاشات المنهجية والمعرفية، التي تجدِّد المعرفة وتخضعها للنقد المستمر.

ويرى بعد ذلك الباحث عرابي أنَّ غياب هذه المناهج الفكرية عن علومنا الاجتماعية هو الذي جعلها تتجمَّد، وتتحوَّل إلى كوابح فكرية وعلمية، بالتالي صارت سبباً لمقتل كل خيال سوسيولوجي ومنهجي. ولذلك عجزت علومنا عن اجتياز ما يسميه فوكو بعتبة الوضعية و«عتبة التنظير الإبستمولوجي».

إنَّ المنهج الكيفي بأطيافه المعرفية المختلفة، هو منهج إمبريقي وتاريخي، منهجٌ قوامه دراسة الإنسان والواقع الاجتماعي بأبعاده المختلفة. لأنَّه منهج ينطوي على خيال منهجي كيفي، يستقرئ الواقع، ويقرأ المستقبل، ويدرس الإنسان. ولولا القفزات الإبستمولوجية التي أنجزها مفكِّرون عظام مثل: رينه ديكارت، وفرنسيس بيكون، وجون ستيوارت ميل، وجون لوك، وكانط، وهيوم ورفضه للديكارتية. وما تبع ذلك من ثورات منهجية وطفرات إبستمولوجية، تمثَّلت في تحرير العقل الإنساني من أصفاد اللاهوت والفكر الظلامي للقرون الوسطى، لولا ذلك لما كان للإنسانية أن تنتقل من عصور الظلام إلى العصر الحديث، ولما صار القلق المعرفي هو سمة العقل الإنساني.

فالمناهج هي طرق التفكير والعمل. ومن المجتمعات ما انهارت بسبب انغلاق تفكيرها ومناهجها، أو ما أسماه مالك بن نبي بالأفكار الميتة، وبيرغسون بالأخلاق المغلقة، مقابل الأخلاق المفتوحة، ومنها ما نهض بفضل الثورات المنهجية التي طرأت عليها. حتى جاءت الحداثة الأوروبية التي لم تكن ممكنة لولا الثورة العقلية والمنهجية، والقطيعة الإبستمولوجية مع المناهج اللاهوتية.

إنَّ علم الاجتماع مشروع نقدي، نشأ عن الثورة المزدوجة، وهي الثورة السياسية في فرنسا، والاقتصادية في إنجلترا، وهناك ثمَّة من يرى أنَّ المنهج الماركسي قد انتهى، ولم يعد صالحاً لتفسير المجتمع. فالصراعات الطبقية قد انتهت وحلَّت محلَّها المنافسة الوظيفية، كما ذوَّبت الصناعة الطبقات، وبعثت النزعة الفردية.

وإذا كان القرن التاسع عشر قد شهد نشأة مناهج البحث الكيفي وتطورها، فإنَّ القرن العشرين حتى نهاية السبعينيات كان مرحلة الكمون والتراجع. لكن هذه الوضعية قد بدأت في التغير منذ بداية الثمانينيات من القرن العشرين، بعدما شهدنا عقم المذهب الكمي، والفقر النظري والمنهجي للعلوم الاجتماعية، فكانت حقبة الثمانينيات والتسعينيات مرحلة إحياء المناهج الكيفية وتدريسها في معظم الجامعات الأوروبية تقريباً..

وصار رواد هذا المنهج يؤكِّدون على تميُّز هذا المنهج عن المنهج الكمي، فهو يفتح اتصالاً مباشراً مع الإنسان، دون تعرُّج وتمويه، إذ إنَّه دراسة للعوالم الاجتماعية بشكل مباشر، دون مسافات، بعكس المنهج الكمي الذي يعمِّق الهوَّة بين الباحث الاجتماعي وحقوله التطبيقية.

المؤلف في سطور

 د.عبد القادر عرابي كاتب وباحث سوري وأستاذ علم الاجتماع في عدد من الجامعات العربية والأوروبية، صدر له: «العولمة والهوية»، «آفاق علم اجتماع عربي»، «النظريات الاجتماعية»، «رواد علم الاجتماع».