الاحتكاك الأول بين مؤلف كتاب «مع محمد عبد الوهاب» إلياس سحاب وبين الفنان الكبير محمد عبد الوهاب وفنه، كان مع أكداس الأسطوانات العربية القديمة والحديثة، التي كان والده يحرص على اقتنائها منذ ذلك الوقت المبكر، ومع تدرج الكاتب ونموه كان يزداد ولعاً بألحانه وأغانيه، تلك التي شغلت حياته وكانت هاجسه، إلى أن كان اللقاء الأول به..

وهو في العشرين من عمره، فاتحة اللقاءات ستتكرر بين بيروت والقاهرة. ويوضح الكاتب أن عقد الخمسينات من القرن المنصرم، شهد تحولين هامين في حياة عبد الوهاب الشخصية والفنية، كان لهما أبلغ الأثر في ذلك التوتر الفني الذي أصابه، وكان من نتيجته شح فني ٌوانحدار في المستوى: أولهما؛ طلاقه من زوجته السابقة وأم أولاده السيدة إقبال نصار، واقترانه بالسيدة نهلة القدسي، وثانيهما، اعتزاله الغناء رسمياً، في مطلع عقد الستينات.

ذكريات

يستحضر الكاتب أدق التفاصيل وهو يستعيد بعضا من ذكرياته مع عبد الوهاب، ليرقى الحدث فيها إلى مصاف اليوميات، فلا تغيب التواريخ ولا الأمكنة ولا أسماء الأشخاص ممن كانوا حاضرين. من ذكرياته عن تلك الفترة، يسهبُ في سرد تفاصيل اللقاء الذي جمعه وعبد الوهاب في منزل عاصي الرحباني وفيروز فتبادل فيه الأخوان رحباني وعبد الوهاب آخر ألحانهم وأغانيهم الجديدة.

يذكر الكاتب منها على سبيل المثال أغنية «فايق عليّ»، وكان ينتهز عاصي فرصة مرور جملة لحنية يعزفها على آلة الأكورديون شقيقه الاصغر الياس، ليلفت سمع عبد الوهاب اليها ويطلب رأيه.

وأتاح له عمله في مجلة «الحوادث» اللبنانية لصاحبها سليم اللوزي أن يلتقي عبد الوهاب مرات عديدة، إما لانتزاع مقابلة منه للمجلة، أو لاستمزاج رأيه بمقال نقدي كتبه تقييماً للحن هذه الأغنية او تلك، وهذا ما أتاح له معرفة عميقة بعبد الوهاب، مكنته من سبر أغوار حياته الخاصة، الفنية والشخصية.

ولم تفت الكاتب الشجاعة ليطرح على عبد الوهاب أسئلة مُحرجة عن مطربي الستينات الصاعدين، فعن صوت وردة، رد عبد الوهاب «إنه صوت يُعطيك عند الاستماع إليه الشعور بالصحة والعافية، إنه صوت قوي ودافئ».

تقييمات فنية

وعن صوت فايزة أحمد، قال «إنه صوت حار، يُطربه كثيرا عندما تتحكم به وتسيطر عليه»، لكن جوابه عن سؤال عن صوت نجاة الصغيرة كان من أغرب الأجوبة «إنها بين الهنا والهنا»، مشيرا بيده الى رأسه ثم إلى حنجرته.

في إشارة واضحة إلى أن نجاة الصغيرة أكثر مطربة تحسن إدارة صوتها بعقلها. وعن رأيه في صوت أم كلثوم قال «إن أم كلثوم تمتلك في حنجرتها الاستثنائية من الصفات ما لو توافرت صفة واحدة منها لأي مطربة، لكانت مُطربة جيدة، فكيف وقد تضافرت كل هذه الصفات ووُجدت في حنجرة واحدة».

ويبرر في موضع آخر من الكتاب رفضه تلحين قصيدة محمود درويش التي اتاه بها «بطاقة هوية»، نظراً لطابعها السياسي اليساري، وردة فعل عبد الوهاب الرافضة هي نفسها مع شعراء آخرين، أتاه سحاب ببعض قصائدهم، عارضا عليه تلحينها، ليكتشف سحاب أن يساريتهم كانت وراء تحفظه هذا.

ويذكر الكاتب أن عبد الوهاب انشغل بسيدة الغناء العربي أم كلثوم، الذي بدأ في العام 1964 مع «أنت عمري»، وانتهى في آخر شهر من عام 1972، عندما غنت أم كلثوم للمرة الأولى، وقبل الأخيرة لحنه الأخير لها «ليلة حب»، كانت ثمرة هذا الانشغال 10 أغان، ليتفرغ بعد موتها إلى عبد الحليم حافظ ووردة الجزائرية وفايزة أحمد ونجاة الصغيرة، فأغدق عليهم أفضل ألحانه.

صلته الوطيدة بعبد الوهاب جعلته أقرب منه الى ظله، فالمؤلف حاضر على كل لحن وعلى كل أغنية، مستطلعاً المناسبة، واقفا على مشقة التأليف الموسيقي، ولا تخلو فصول الكتاب من عبارات المجاملة، يتسقطها المؤلف ثناء وإطراء على فكره النقدي، على نحو ما يذكره مثلاً عن إعجاب عبد الوهاب برأيه بلحن «أنت الحب» لأم كلثوم وتفضيله إياه على لحن «أنت عمري».

ويمكن القول إن السرد الذي أراده المؤلف مكثفاً، لم يثنه عن الإحاطة بنتاج عبد الوهاب، ولا بالشعراء الذين تعامل معهم ولا بالمغنين والمغنيات الذين أدّوا ألحانه، والكتاب بهذا المعنى وثيقة تاريخية، موثقة بالتواريخ وأسماء الأشخاص والأمكنة، وجهد الكاتب إلى الإحاطة بها ومنحها منزلة في سياق السرد، لم يغب عنها السلاسة والتشويق.

المؤلف في سطور

إلياس سحاب ناقد موسيقي وسياسي، من مؤلفاته؛ «دفاعاً عن الأغنية العربية»، «الفكر السياسي الفلسطيني بعد العام 1948»، «موسوعة أم كلثوم - السيرة والأغاني» 3 مجلدات بالاشتراك مع شقيقه فكتور سحاب، «الموسيقى العربية في القرن العشرين»، «مشاهد ومحطات ووجوه».