قليلة هي تلك الدراسات والكتب التي تتناول التعريف الأدبي بأفغانستان، فضلاً عن الشعر تحديداً، وهو ما يزكي مطالعة ذلك الكتاب، الذي يعرض للشاعر قاري عبدالله خان، الملقب بملك شعراء أفغانستان، الذي بزغ منذ نهاية القرن 19 الميلادي، وحتى منتصف القرن العشرين (1869- 1943م).
يعد الشاعر حلقة الوصل بين السبك الهندي والسبك الخرساني في الشعر الأفغاني، ويعد من المجددين في الشعر الأفغاني، وكونه أفضل من عبر عن هموم وطنه، حيث كان الصراع بين إنجلترا التي كانت تحتل بلاده، وروسيا التي كانت تتطلع للسيطرة على ثروات أفغانستان، ثم مقاومة الشعب للقوى الأجنبية. كما تتميز أشعاره بتلك الروح الفطرية المفعمة بالإيمان بالله، وفي أشعاره الكثيرة في المدائح النبوية. وقد كان غزير الإنتاج، وقد تعددت وكثرت الدراسات حول أعماله وأفكاره، حيث كتب أعماله بالفارسية.
عاصر الشاعر حكم سبعة من ملوك أسرة البيت «الباركزائي»، وفترة من حكم محمد ظاهر شاه، وخلال تلك الفترة انتهت الصراعات بإعلان استقلال البلاد، تلك التي يمكن التوقف معها، ومتابعة فترة مهمة من تاريخ أفغانستان.
اقتربت قصائده من الأحداث في زمنه، فحين اندلعت الحرب الأفغانية الانجليزية الثالثة، في أول شهر مايو سنة 1919م، حيث غافل الملك بجيشه قوات الانجليز وحاصرهم في منطقة قلعة «تل»..
وانتصر الأفغان بقيادة محمد نادر خان، وهي الحرب المسماة «حرب الاستقلال»، قال الشاعر: في هذا الشهر عيد عظيم في ساحة الاستقلال، إن نهاره عيد وليله نور وضياء/ في هذا التاريخ جاء الجنود من جهة الجنوب، وكأنهم الأسود المفترسة التي تزأر..».كما كتب قاري عن الحرب العالمية الثانية فقال: «ترغب أوروبا من جشعها، أن تلتهم العالم مثل لقمة سائغة/ إذا ما جاءت مدرعاتها صوب الحدود..
فما من حيلة سوى العض على الشفاه/ نعم فإن الحكماء يقولون، يأتي هلاك النمل من ظهور الأجنحة..». وتابع الشاعر كل الأحداث الوطنية، وعلاقات بلاده بالبلدان الأخرى بداية من الاتحاد السوفيتي القديم، والباكستان، ومصر، كما تجلت الرؤية السياسية للشاعر، من خلال متابعته للقضايا العربية: قضية فلسطين، وقضية الجزائر. ترك ستة دواوين شعرية وتشكل الغزليات القسم الأعظم من إنتاج قاري الشعري ويبلغ عدد الغزليات 508 غزليات، وتحتوي على ما يقرب من 5 آلاف بيت في حين أن مجموعة أشعاره تربو على العشرة آلاف بيت وصدرت في مجلدين كبيرين تحت عنوان «كليات قاري».
يعد الكتاب دراسة علمية، حتى يعتبر من الكتابات المعاصرة الرصينة في شأن العلاقة الثقافية مع أفغانستان، حيث روافد الثقافة الإسلامية.
