«صور الماضي» كتاب يعود فيه هشام شرابي إلى الذكريات فيستعيدها في مشاهد ومشاعر وأفكار، في صيغ وكلمات، لا تلبث أن تفلت وتتلاشى ولا تعود إلى الحياة.
في سنة 1949 غادر البلاد وهو في العشرين من عمره، لم يهاجر، لم يقتلع من وطنه، لقد بقيت جذوره مغروسة في أرض كان بعيداً عنها. فهو يتنشق عبير الورد في عكا الذي زرعته زوجته في حديقة بيته، ويلتقط ورق الزعتر البري الأخضر ويفركه بين أصابعه، ويشم رائحته وكأنه عند سوق الغرب وعاليه..
وعندما تقدم له زوجته عنب آخر الموسم يتذكر عنب رام الله الذي كان يقدم إليه عندما يعود إلى المدرسة في أواخر الخريف. وصور البحر في فرجينيا تذكره بشاطئ البحر في يافا وعكا وبيروت، فهو كالمسافر الذي يملأ الحنين قلبه، إنّ حقائبه دائماً معدّة، ينتظر ساعة العودة.
على حائط مكتبه مجموعة من صور فوتوغرافية لمدينة عكا، يراها صباح كل يوم، في الصورة الأولى يظهر الشاطئ باتجاه الشمال ورأس الناقورة، هنا كان يصطاد السمك بواسطة القصبة والصنارة، والصورة الثانية التقطت عند الشاطئ عند المغيب، كان يرى هذا المنظر من شرفة بيت جدّه المطلة على البحر، حيث يجلس أحياناً عند الغروب، أمّا الصورة الثالثة فتمثل امتداداً للصورة الثانية، إذ التقطت من الموقع نفسه باتجاه الغرب، ينظر إلى الأفق ويشعر في هذه اللحظة بهواء عكا يلامس وجهه ويعيده إلى ذكريات الصيف فيها.
الصورة الرابعة تظهر فيها بركة الشيخ أسعد خلفها السور، وفي الأفق البعيد جبل الكرمل، والصورة الأخيرة التقطت من موقع داخل السور، بالقرب من الكازينو المطل على الثغرة الواسعة التي أحدثتها الأمواج والأعاصير عبر السنين.
كان لعكا القديمة ثلاث بوابات: البوابة الشرقية، والبوابة التي شيدتها حكومة الانتداب في منتصف السور، وبوابة السجن في نهاية الشارع المحاذي للشاطئ.
عند عودته إلى يافا سجلته أمّه في روضة الأطفال الإنجليزية، وكانت المدرسة تتألف من بناية صغيرة خصّص الطابق الأرضي منها لروضة الأطفال والطابقان الباقيان للصفين الأوّل والثاني، كانت الغرفة المخصصة للأطفال تحتوي على بيانو وكراسي وطاولات صغيرة وحوض كبير مليء بالرمال والحجارة الملوّنة للعب أثناء فترات الاستراحة. كان لدى والده مجموعة من السّجاد العجمي، اقتناها عبر السنين، ولم يكن يدري أن اليهود قد وضعوا يدهم على البيت وما فيه. هذا ما يتذكره الجيل الذي نزح عن يافا سنة 1948، بعبيرها المسكر وسمائها الزرقاء وبحرها الصاخب.
