تبين لصالح مشوش، مؤلف كتاب علم العمران الخلدوني، أن فكر ابن خلدون فكر إسلامي أصيل في أصوله، ورؤيته الكونية ومفاهيمه، وفرضياته، وملاحظاته، وتفسيراته ومقارناته وانتقاداته وتوجيهاته وقوانينه وتطبيقاته العملية. وبناء على ذلك فدراسة هذا الفكر بطريقة علمية وموضوعية تكون ممكنة، حين يكون ذلك في محيطه الطبيعي وضمن سياقه الفكري والثقافي الذي ظهر فيه.

إن الدراسات التي عملت على خلق مقاطعات فكرية معزولة وغريبة في هذا الصدد، إنما تمكنت من ذلك لاعتمادها على مناهج براغماتية ناقصة في التفكيك والاختزال والممارسة والتأويل والإرجاع.

فالرؤية الكونية التي هيمنت على الفكر الخلدوني بكليته توحيدية خالصة ظهرت ثمارها في كل جزء من أجزاء هذا الفكر، سواء أكان ذلك في تحليله للأخبار التاريخية أو دراسته للقضايا الكبرى في العمران مثل السياسة والملك والمعاش والتغير والعلوم والصنائع والتربية والتعليم والفن، وهذه الرؤية الكونية كان لها دور بارز في البنى والنواظم المنطقية التي جعلت لهذا الفكر نسقاً مترابطاً.

معارف خلدونية

يرى صالح مشوشي أن أنموذج الفكر الخلدوني والإنجازات التي حققها لا تزال صالحة يمكن إحياؤها وتفعيلها والاستفادة منها لبناء المعارف والعلوم وتنظيم العمران وقراءة واقع المسلمين، وفق ما تقتضيه معايير الرؤية الكونية التوحيدية..

وحياة فكر ابن خلدون وصلاحيته في هذا السياق لا تعني ارتباط اهتماماته بمجتمع مسلم راكد ومتناقص، كما حاول بعض المضللين إقناع القراء به، بل إن الكثير من استدلالاته وتفسيراته صحيحة لاستعانته بمصادر الوحي وقراءة الواقع بمقياس طبيعته وطبيعة الأحداث التي تشكله.

ولم يكن الفكر الخلدوني ثورة ولا طفرة ولا معجزة ولا ظاهرة غريبة كما حاول المستشرقون تصوره وبعض باحثي العرب المتعصبين ليس للدين بل لانتماءاتهم الجغرافية وبلدانهم التي رسم حدودها الاستعمار..

حتى أصبح ابن خلدون محل تنازع بين المنتسبين إلى تلك الأقطار المختلفة التي مكث فيها، بل إن حقيقة ابن خلدون في سياق الفكر العلمي الإسلامي مثل حلقة في سلسلة ذهبية طويلة من العلماء الذين حققوا إنجازات عظيمة مثله واستفادته مما أنجزه العلماء قبلة مسألة ثابتة لا تحتاج إلى النقاش، وهذا ما جعل ابن خلدون وهو في حالة اكتشافه علم العمران أن يسجل عباراته الخالدة عن تواضع وتقدير للسلف وللآخرين كما فتح المجال وأطلق دعوة لغيره للمشاركة في إثراء ما عرضه في المقدمة وتنقيحه والزيادة عليه.

وتأمل مشوش في الأدلة المعروضة في الدالة على هيمنة الرؤية الكونية التوحيدية على فكر ابن خلدون الذي اعتمد في تفكيره على وسيلة استدلالية مستقلة عن قوالب المنطق الأرسطي الذي ادعى الكثيرون تعلقه به، وهذا يتمثل في «الاستدلال الطبيعي» الذي جاء ضرورة منهجية اقتضتها الرؤية الكونية التوحيدية ذاتها التي تخاطب الإنسان وتتصوره وفق فطرته المستقيمة الأولى.

تطور مناهج

إضافة إلى الظروف المعقدة التي عاش فيها ابن خلدون، فإن من الأسباب التي ساهمت في ظهور دراسات يناقض بعضها بعضاً في تفسير حياته وفكره، رداءة وسطحية قراءة الكثير من الباحثين وتحليلاتهم لسيرته الذاتية وتجربته السياسية.

إن تطور المناهج وتوافر العلم ووسائله في العصر الحديث بإمكانه أن يساعد الباحثين في حقل الفكر الخلدوني على تدارك تلك الأخطاء التي وقعت فيها القراءات الأحادية المنحازة وتجاوزها. ومن هنا تأتي ضرورة توجه الباحثين المسلمين إلى دراسة مباحث علم العمران علمياً على ضوء الرؤية الكونية التوحيدية لغرض الاستفادة منها في مواجهة مشكلات معاصرة.

المؤلف في سطور

 صالح مشوش باحث جزائري مُهتم بعلم الاجتماع والدراسات العمرانية له مؤلفات عدة.